تفسير الآية وإلجاء المشركين إلى العجز المطلق لآلهتهم: يستمر التبكيت القرآني للمشركين بإبطال كل سند يتوهمونه؛ فإن لم يكن الله هو الذي يكلؤهم، فهل لهم آلهة أخرى ذات قدرة وقوة تمنعهم وتدفع عنهم نقمنا وعذابنا من دوننا؟! ثم يكشف حقيقة تلك الآلهة المزعومة؛ فهي أعجز من أن تدفع الضرر عن أنفسها إن أريدت بسوء، فكيف تدفعه عن عابديها؟! ولا هم أيضاً ينالون من الله صحبة رحمة ولا جوار أمان. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 463)مصدر غير محدد١٨/٤٦٣: «يقول تعالى ذكره: ألهم آلهة تمنعهم من عذابنا ونقمتنا إن حلت بهم؟! ثم وصف تلك الآلهة بالعجز والضعف فقال: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ}؛ يقول: لا تقدر تلك الآلهة التي يعبدونها من دوننا على نصر أنفسها ودفع المكروه عنها، فكيف تنصر عابديها؟! {وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ}؛ أي ولا هؤلاء المشركون من عذابنا يُجارون ولا يُصحبون بجوار ينقذهم، أو لا تصحب آلهتهم من الله صحبة بركة وخير».
الآثار في معنى (يصحبون):
قال ابن عباس وقتادة: «ولا هم منا يصحبون: أي ولا هم منا يجارون؛ يقال: أنا لك جار وصاحب من فلان، إذا كان مانعاً له وحامياً له منه».
وقال مجاهد والسدي: «أي لا يصحبهم الله بخير ولا رحمة، بل هم منقطعون عن كل جوار إلهي».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَلَا هُم: الواو عاطفة، (لا) نافية، (هم) ضمير منفصل مبتدأ يعود على الكفار أو على الآلهة.
مِّنَّا: جار ومجرور متعلق بـ (يصحبون).
يُصْحَبُونَ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة خبر المبتدأ (هم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الحصار المنطقي حول الشرك: بعد أن سألهم: {مَن يَكْلَؤُكُم}، ولم يجدوا جواباً، انتقل إلى فرضية أخرى: لعل لهم آلهة قوية تمنعهم من الله وتجيرهم من بأسه؟! ثم أسقط هذه الفرضية بالواقع المشاهد: فكيف تمنعكم آلهة لا تملك أن تدفع عن نفسها حشرة أو فأرة أو كسراً لو هوى عليها إنسان بحجر؟! فمن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز وأحقر.
إسناد ضمير العقلاء للأصنام {لَا يَسْتَطِيعُونَ}: خاطب الأصنام بضمائر العقلاء تهكماً بعبادتهم لها؛ كأنه يقول: هؤلاء الآلهة الذين تزعمون أنهم عقلاء كرام لا يستطيعون نصر أنفسهم طرفة عين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتخاذ الوسطاء والشفعاء لدفع المكاره:
تقرير الخلل الشركي: كان المشرك يقول: نحن نعلم أن الأصنام أحجار، لكنها تمثل أرواحاً علوية أو كواكب تمنعنا وتدفع عنا العذاب!
المحاكمة العقلية والبرهان القرآني:
العجز الحسي المشاهد في الأصنام دليل على بطلان تمثيلها لأي قوة عليا؛ فإن الإله الحق هو القادر القاهر بنفسه؛ فإذا كانت تلك المعبودات مفتقرة إلى من يصنعها وينظفها ويحميها من الكسر والسرقة، فكيف يُفزع إليها في كشف الكروب الجسام ودفع عذاب خالق الكون؟! هذا قلب لبديهيات العقول ومكابرة للواقع المحسوس.
قياس الأولى المنطقي: إذا كانت الآلهة عاجزة عن نصر نفسها (الأقرب)، فهي عن نصر عابديها (الأبعد) أشد عجزاً بمراتب لا حصر لها.
التعبير بـ {وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} استعارة لكناية الجوار؛ فلا حلف يحميهم من الله، ولا جوار يدفع عنهم نقمته.
الإشارة التدبرية: كل من اعتمد على غير الله من مال أو منصب أو سلطان ظاناً أنه يمنعه من أمر الله، فقد اتخذ صنماً عاجزاً لا ينصره حين تنزل نوائب القدر؛ والمنيع من منعه الله والمعزوز من أعزه الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوكل على الحي القيوم: تحرير القلب من التعلق بالأسباب المخلوقة والمخلوقين؛ فلا يرجى إلا الله ولا يخشى إلا الله.
فضح عجز الأصنام المادية والمعنوية: واجب الدعاة كشف هزال الطواغيت والآلهة المزيفة التي تعبد من دون الله وتبيان عجزها التام أمام قدرة الله تعالى.
الاعتصام بالجوار الإلهي: الاستجارة بالله والفرار إليه أعظم أمان للعبد في دنياه وأخراه.