تفسير الآية والتضجر الشديد من سفاهة الشرك وسقوط العقول: يختتم إبراهيم عليه السلام مناظرته التاريخية بإعلان التضجر والاشمئزاز والاستقذار التام لهؤلاء القوم ولمعبوداتهم الباطلة؛ بعد أن بلغت حماقتهم حداً لا يقبله عقل ولا تقره فطرة؛ فقال متضجراً: سحقاً لكم وتباً وقبحاً ولآلهتكم العاجزة التي تعبدونها من دون الله! أفلا تملكون عقولاً تميزون بها بين الخالق المنعم العظيم وبين الحجارة الصماء الخسيسة؟! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 491)مصدر غير محدد١٨/٤٩١: «يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم متضجراً من قومه ومما يعبدون من دون الله: أفٍّ لكم: أي نتناً وقبحاً وسحقاً لكم ولهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله! والأف في كلام العرب: كلمة تدل على التضجر والاستقذار، مأخوذة من وسخ الأظفار وقلامتها؛ أفلا تعقلون: أفليس لكم عقول تعقلون بها قبح ما أنتم عليه من عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فتنزجروا عن هذا السفه والضلال؟!».
الآثار في معنى (أف): قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: «أف: كلمة كراهية وتضجر وقبح واستقذار؛ استقذر عقولهم وأصنامهم لما تبين له إصرارهم على الباطل ومكابرتهم للحق المستبين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أف: اسم فعل مضارع بمعنى (أتضجر وأستقذر وأكره)، وفيه لغات كثيرة؛ بالكسر والتنوين (أُفٍّ)، وبالفتح، والضم، والسكون.
لما تعبدون: (ما) اسم موصول يراد به الأصنام المعبودة من دون الله.
تعقلون: العقل القوة التي تدرك الحقائق وتميز بين الرشد والغي وتمنع صاحبها من ارتكاب القبيح.
الإعراب التركيبي:
أُفٍّ: اسم فعل مضارع مبني على الكسر منون تنوين تنكير بمعنى أتضجر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا.
لَّكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ (أف) لبيان الموجه إليه التضجر.
وَلِمَا: الواو عاطفة، اللام حرف جر، و(ما) اسم موصول مبني في محل جر معطوف على الكاف في (لكم).
تَعْبُدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره تعبدونه.
مِن دُونِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من العائد المحذوف، واسم الجلالة مضاف إليه.
تَعْقِلُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة الحوار وبلوغ الذروة الانفعالية المشروعة: بعد سلسلة متأنية من الحوار المنطقي والجدال بالحجة والدليل العملي، وصل إبراهيم إلى النقطة التي تسقط فيها كل لغة حوار أمام العناد المتبلد؛ فانفجر غضباً لله وتضجراً من هذا السفه؛ ليبين أن المؤمن بعد إقامة الحجة الكاملة لا يجامل الباطل، بل يظهر الاشمئزاز منه ومن أهله.
النداء الأخير للعقل المفقود {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: ختم المقطع بهذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي؛ ليرسخ أن الانحراف عن التوحيد ليس مجرد خطأ اجتهادي، بل هو تعطيل للعقل الإنساني وانسلاخ من وظيفة التفكير السوي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل ينافي التضجر والتوبيخ أدب الدعوة والرفق؟:
تقرير الإشكال في الحكمة الدعوية: قد يظن ظان أن قول إبراهيم {أُفٍّ لَّكُمْ} ينافي قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]!
المحاكمة والجواب التحقيقي:
الرفق واللين يكونان في أول الأمر ومراحل البيان، ولكن حين تقوم الحجة القاطعة ويعترف الخصم بلسانه بعجز معبوده ثم ينكص مستكبراً معانداً لمجرد الهوى، تصبح المجاملة تمييعاً للحق وخوراً؛ فكانت كلمة {أُفٍّ لَّكُمْ} في موضعها عيناً من الحكمة؛ لهز النفوس المخدرة وتنبيه الضمائر الغافلة بمدى شناعة الجريمة التي يصرون عليها. فالحكمة وضع الشيء في موضعه؛ والشدة في موضعها حكمة كما أن اللين في موضعه حكمة.
كلمة {أُفٍّ} بصوتها المنفوخ من الشفتين تحمل نفوراً طبيعياً واستقذاراً فطرياً ينخلع له الوجدان؛ كأن القائل ينفخ وسخاً أو قذارة تلطخت بها أنامله.
الجمع بين القوم ومعبوداتهم في التضجر {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} لبيان أن العابد والمعبود الباطل يشتركان في القبح والضلال.
الإشارة التدبرية: القلب الحي يشم رائحة الكفر والشرك فيستقذرها ويتأذى منها كما يتأذى الأنف السليم من الجيفة المنتنة؛ فمن وجد في قلبه وهناً أو مداهنة لأهل الشرك فليعلم أن حاسة الشم الإيماني في قلبه مريضة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغضب لله والغيرة على التوحيد: المؤمن الحقيقي يغضب إذا انتهكت محارم الله وعُبد غيره في الأرض؛ فالغيرة الإيمانية أصل من أصول الإيمان.