تفسير الآية وشخوص الأبصار والندم الأبدي يوم القيامة: يخبر الله جل وعلا عن وقوع القيامة بعد خروج يأجوج ومأجوج؛ فاقترب الوعد الحق؛ وهو يوم الحساب والجزاء الذي لا ريب فيه؛ فإذا وقعت الواقعة وبعث الناس من القبور، شَخَصَتْ أبصار الكافرين من شدة الفزع والهلع؛ فلا تكاد تطرف ولا تغمض من هول ما تعاينه، ويصرخون بالويل والحسرة معترفين بضلالهم: يا ويلنا، قد كنا في الدنيا في غفلة سحيقة عن هذا اليوم المروع، بل كنا ظالمين لأنفسنا بتكذيب الرسل ومعاندة الحق. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 548)مصدر غير محدد١٨/٥٤٨: «يقول تعالى ذكره: ودنا وقت الوعد الحق بقيام الساعة وحساب الخلائق، فإذا حان ذلك شَخَصَتْ أبصار الذين كفروا بالله؛ أي ارتفعت أبصارهم وتعلقت من شدة الهول والفزع، لا تطرف ولا تغمض، وهم يقولون منادين بالويل والهلاك على أنفسهم: يا ويلنا ويا حسرتنا، قد كنا في الدنيا في غفلة ولهو وإعراض عن هذا اليوم وهذا العذاب، بل كنا ظالمين بكفرنا وتكذيبنا رسل الله وتفريطنا في أمر ربنا».
الآثار في معنى (شاخصة أبصارهم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «شاخصة: أي مرتفعة مفتوحة من شدة الخوف لا تكاد تطرف، كأبصار المحتضر إذا عاين ملك الموت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الوعد الحق: يوم القيامة والبعث والحساب والجزاء؛ ووصف بالحق لأنه صدق واقع لا يتخلف.
شاخصة: الشخوص هو بقاء العين مفتوحة مسمرة جامدة لا تطرف ولا تنقلب من شدة الدهشة والفزع.
يا ويلنا: نداء الهلاك والثبور والندامة.
الإعراب التركيبي:
وَاقْتَرَبَ: الواو عاطفة (وهي رابطة لجواب إذا في الآية السابقة)، وفعل ماض مبني على الفتح.
الْوَعْدُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْحَقُّ: نعت لـ (الوعد) مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَإِذَا: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، (إذا) فجائية قائمة مقام المفاجأة السريعة.
هِيَ: ضمير الشأن والقصة مبني في محل رفع مبتدأ، أو ضمير مبهم يفسره ما بعده.
شَاخِصَةٌ: خبر مقدم مرفوع بالضمة الظاهرة لـ (أبصار).
مِّنْ هَٰذَا: جار ومجرور متعلق بـ (غفلة)؛ والجملة مقول قول محذوف؛ أي يقولون: يا ويلنا.
بَلْ: حرف إضراب ترقٍّ في الاعتراف.
كُنَّا ظَالِمِينَ: كان واسمها وخبرها، معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الإطباق الدائري للسورة: تلتحم هذه الآية العظيمة بمطلع السورة في نسيج معجز مذهل:
قال في الآية الأولى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}.
وقال هنا في ختام السورة: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ... يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}!
فتطابقت الفاتحة مع الخاتمة تطابقاً بديعاً؛ حيث نطق الكفار يوم القيامة بنفس الكلمات التي حذرهم منها القرآن في أول آية: (الغفلة والظلم)، ولكن بعد فوات الأوان.
التدرج في الاعتراف من الغفلة إلى الظلم بـ (بل): أضربوا بـ (بل) لترقية اعترافهم؛ فاعترفوا أولاً بالغفلة والسهو، ثم استدركوا على أنفسهم مقرين بأنها لم تكن مجرد غفلة بريئة، بل كانت عناداً واستكباراً وظلماً صريحاً للآيات: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فوات الانتفاع بالاعتراف بالذنب يوم القيامة:
تقرير الحقيقة الشرعية والعدلية:
لماذا لا ينفعهم هذا الاعتراف الصادق المؤكد بالويل والظلم يوم القيامة؟
لأن الآخرة دار جزاء وحساب وليست دار عمل وتكليف؛ والاعتراف هناك اضطراري قاهر بعد معاينة الحقائق بالبصر الحاد: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]؛ فالتوبة إنما تقبل في دار الغيب والاختيار في الدنيا؛ أما في الآخرة فلا توبة ولا استعتاب: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم: 57].
التعبير بـ {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ} يجسد مشهد الفزع بأدق حركاته التشريحية؛ فالشخوص جمود في المقلة وانفتاح للأجفان وذهول في النظرة ينم عن هول صاعق شل حركة الجفون.
استعمال (إذا) الفجائية مع ضمير الشأن {فَإِذَا هِيَ} يباغت السامع بالمشهد كأنه حاضر يرى تلك الأعين الجاحظة تتلفت في رعب مذعورة.
الإشارة التدبرية: البصير من شخَص قلبه اليوم خشية من ربه، حتى لا تشخص عيناه غداً فزعاً من عذابه؛ فبادر بإنقاذ نفسك من غفلة الدنيا قبل أن تصرخ صرخة الويل التي لا رجعة بعدها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علاج داء الغفلة قبل فوات الأوان: الغفلة سم مهلك للقلوب؛ وعلاجها ملازمة القرآن والذكر ومحاسبة النفس وتذكر الموت والقيامة.
تأكيد صدق الوعد الإلهي: كل ما وعد الله به حق واقع لا ريب فيه؛ فالمؤمن يعيش في يقين تام باقتراب الوعد الحق.
إدراك حقيقة الظلم وعواقبه: الاعتراف بالظلم في الدنيا يفتح أبواب المغفرة، أما في الآخرة فلا يورث إلا الحسرة والندم.