تفسير الآية وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وسنن الهلاك: يسلي الله تبارك وتعالى قلب نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قريش واستهزائهم به وبدعوته؛ مذكراً إياه بأن هذه سنة قديمة جرت لجميع إخوانه من الأنبياء السابقين كنوح وهود وصالح؛ فلم يسلم رسول من سخرية قومه، ولكن العاقبة كانت نصر الرسل ونزول الهلاك المستأصل بأولئك الساخرين فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 461)مصدر غير محدد١٨/٤٦١: «يقول تعالى ذكره مسلياً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما يناله من كفار قومه من الاستهزاء والأذى: ولقد استهزئ يا محمد برسل من قبلك من الرسل الذين أرسلناهم إلى أممهم، كما استهزأ بك هؤلاء المشركون من قومك؛ فاصبر كما صبروا، فحاق بالذين سخروا منهم: أي فنزل بالذين سخروا من الرسل ما كانوا به يستهزئون؛ يعني نزل بهم عذاب الله وبأسه ونقمته التي كانوا بها يستهزئون ويكذبون بوقوعها، فكذلك ينزل بهؤلاء الساخرين منك ما كانوا به يستهزئون».
الآثار في معنى (فحاق): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «فحاق: أي نزل بهم وأحاط ودار بهم؛ يقال: حاق به الشيء إذا نزل به واستدار وأحاط به من كل جانب حتى أهلكه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
استهزئ: الاستهزاء هو السخرية والاستخفاف والضحك بالحق وأهله.
فحاق: حاق يحيق حيقاً وحيوقاً إذا نزل وأحاط ولزم لزوماً لا انفكاك منه؛ ولا يستعمل الحيق إلا في المكروه والشر والهلاك.
سخروا: السخرية الاستهانة بالغير وإظهار نقصه.
الإعراب التركيبي:
وَلَقَدِ: الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر محذوف، و(قد) حرف تحقيق وتوكيد، وحركت الدال بالكسر لالتقاء الساكنين.
اسْتُهْزِئَ: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على الفتح.
بِرُسُلٍ: جار ومجرور شبه جملة في محل رفع نائب فاعل لـ (استهزئ).
فَحَاقَ: الفاء عاطفة تفيد السببية والترتيب، و(حاق) فعل ماض مبني على الفتح.
بِالَّذِينَ: جار ومجرور متعلق بـ (حاق).
سَخِرُوا: فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
مِنْهُم: جار ومجرور متعلق بـ (سخروا).
مَا: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ (حاق)؛ أي حاق بهم العذاب المستهزأ به.
كَانُوا: فعل ماض ناقص والواو اسمها.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ (يستهزئون) قُدم للاهتمام والحصر.
يَسْتَهْزِئُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل؛ والجملة خبر كان؛ وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها والعائد محذوف تقديره يستهزئون به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بلسم النبوة والتأنيس الإلهي: بعد أن فضح استهزاءهم في الآية (36): {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا}، وتحديهم في الآية (38): {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}، التفت بالخطاب المباشر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليملأ قلبه طمأنينة وسكينة؛ مبيناً أن هذا البلاء ليس خاصاً به، وأن سنته في نصرة رسله وإهلاك المستهزئين ماضية لا تتخلف.
الجزاء من جنس العمل (المطابقة الجزائية): جعل الفاعل في {فَحَاقَ} هو عين ما كانوا يستهزئون به: {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}؛ فالاستهزاء بالعذاب انقلب عذاباً حقيقياً يحيط بهم ويخنقهم؛ ليرى الساخر هوان سخريته أمام عظمة البطش الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعاقب الله على مجرد السخرية والاستهزاء بالهلاك المحيط؟:
تقرير حقيقة الاستهزاء بالوحي:
الاستهزاء بالرسل ليس مجرد كلمة عابرة أو مزاح، بل هو أخطر أشكال العناد والمحاربة الفكرية؛ لأن الساخر يتعمد إسقاط هيبة الحق في أعين الناس وصرفهم عن سماع الهدى دون حجة ولا برهان. فهو جريمة مركبة تجمع بين الكفر بالله والتكبر على رسله وصد الناس عن سبيل الله وتزييف الوعي الجمعي؛ فاستحق صاحبها الإحاطة بالعذاب المهين.
التعبير بـ {فَحَاقَ} يحمل جرساً صوتياً يدل على الضيق والانطباق والإحاطة التامة التي لا يدع لصاحبها منفذاً للهرب؛ كالسوار إذا أحاط بالمعصم أو الحفرة التي هوى فيها من حفرها.
تنكير {رُسُلٍ} يفيد التعظيم والتكثير؛ أي برسل كرام عظام ذوي شأن وقوة.
الإشارة التدبرية: ما سخر أحد من دين الله وأوليائه إلا كانت سخريته حبلاً يُلف حول عنقه ليخنقه في الدنيا والآخرة؛ فاحذر يا عبد الله أن تبتسم سخرية بحديث لرسول الله أو حكم من أحكام الشريعة فيحيق بك مقت الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تثبيت المصلحين أمام التهكم الإعلامي والمجتمعي: الداعية المخلص لا يتراجع عن الحق إذا واجهته حملات التشويه والسخرية؛ فإن رؤوس الكفر في التاريخ استهزؤوا بنوح وهو يبني السفينة، فما كان جواب نوح إلا: {إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: 38-39].
اليقين بالقصاص العادل: دواليب التاريخ الإلهي تدور بالعدل؛ وكل من تطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنته أذاقه الله الخزي في الدنيا قبل الآخرة.
الائتساء بالصابرين: معرفة تاريخ الصراع وتضحيات الأنبياء السابقين يورث الصبر ويهون على النفس آلام الطريق.