تفسير الآية ومباغتة الساعة والعذاب: يضرب الله تعالى عن توهمهم إمكانية الاستعداد للعذاب أو تأخيره؛ مبيناً أن الساعة أو العقوبة ستفجؤهم فجأة على حين غرة وهم في غفلتهم لا يشعرون، فتدهشهم وتغلبهم وتطمس حواسهم من شدة الرعب، فلا يقدرون على دفعها ولا حيلتها، ولا يؤخرون ولا يمهلون لحظة واحدة للتوبة أو الاستعتاب. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 459)مصدر غير محدد١٨/٤٥٩: «يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما ظن هؤلاء الكفرة من أنهم يعلمون وقت الوعد فيستعدون له، بل تأتيهم الساعة أو النار بغتة؛ أي فجأة من غير أن يشعروا بمجيئها، فتبهتهم: أي فتدهشهم وتحيرهم حتى يصيروا باهتين لا يدرون ما يصنعون، فلا يستطيعون ردها: فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا هم ينظرون: ولا هم يؤجلون فيؤخر عنهم العذاب طرفة عين، بل يعاجلون بالعقوبة».
الآثار في معنى (فتبهتهم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد: «فتبهتهم: أي تدهشهم وتغلبهم وتحيرهم؛ يقال: بُهِتَ الرجل إذا رأى أمراً عظيماً غلبه وحيره حتى انقطع فلم يستطع كلاماً ولا تصرفاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
بغتة: الفجأة؛ وهو مجيء الشيء من غير تقدم إمارة ولا ترقب وفي غفلة من المأتي عليه.
تبهتهم: من البهت، وهو الدهشة والتحير الشديد الذي يذهب بالفكرة ويشل الإرادة والحركة لعظم المفاجأة.
ردها: دفعها وصرفها ومنع وقوعها.
ينظرون: الإنظار هو التأخير والإمهال وفسح الأجل؛ مأخوذ من النظر بالعين؛ لأن الناظر يمهل من يراه، أو من النظرة وهي التأخير.
الإعراب التركيبي:
بَلْ: حرف إضراب إبطالي وانتقالي.
تَأْتِيهِم: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هي يعود على النار أو الساعة، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
بَغْتَةً: مصدر في موضع الحال منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي باغتة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
يَسْتَطِيعُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
رَدَّهَا: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ: الواو عاطفة، (لا) نافية، (هم) مبتدأ، وجملة (ينظرون) المبنية للمجهول خبر المبتدأ، والواو نائب فاعل؛ والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة التدفق النظمي والانهيار الصاعق: رتبت الآية سلسلة من الأحداث الصادمة في نسق متعاقب بالفاء الدالة على المباشرة دون مهلة:
مباغتة فجائية خاطفة: {تَأْتِيهِم بَغْتَةً}.
شلل تام في التفكير والإدراك: {فَتَبْهَتُهُمْ}.
عجز كلي عن الدفع والمقاومة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا}.
قطع تام لكل مهلة أو تأخير: {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}.
الإضراب بـ (بل): أضرب عن مقالتهم المستهزئة {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ} ليبين لهم أن الحساب لن يأتي وفق شروطهم ولا في الوقت الذي يشتهونه، بل سيأتيهم على غرة وهم يلهون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف تباغتهم الساعة وقد سبق إخبارهم بها؟:
تقرير الإشكال: كيف توصف بأنها تأتي بغتة وقد أُنذروا بها مراراً في القرآن وعلى ألسنة الرسل؟
المحاكمة وتفنيد الإشكال:
الإنذار العام بوقوع الحدث لا ينفي المباغتة في التوقيت؛ فالإنسان يعلم أنه سيموت يقيناً، ولكن موعد موته وسكرته تفجؤه بغتة على غير ميعاد. وكذلك القيامة؛ أُخبر الناس بحتمية وقوعها، ولكن ميقاتها الدقيق استأثر الله بعلمه لتفجأ الناس وهم في أسواقهم ومعايشهم وغفلتهم: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف: 187].
لفظ {فَتَبْهَتُهُمْ} من أدق الألفاظ العربية في تصوير الصدمة النفسية؛ فالبهت شلل يعطل الحواس ويطمس النطق ويسقط الأبصار خاشعة.
نفي الاستطاعة ونفي الإنظار أسلوب تقريري يقطع دابر كل أمل في الخلاص؛ فلا دفاع بالقوة الذاتية {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا}، ولا مهادنة بالتفاوض والتأجيل {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}.
الإشارة التدبرية: يا مغروراً بالأمن وطول السلامة، اعلم أن عذاب الله ونقمته إذا جاءت لم تستأذن ولم تطرق الباب، بل تبغت العبد في أحرج ساعاته، فكن على حذر دائم ولا تغتر بركود الرياح قبل هبوب الإعصار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قطع التسويف والتوبة الفورية: الخوف من المباغتة أعظم حافز على المبادرة بالأعمال الصالحة وقضاء المظالم فوراً؛ لأن الغد قد لا يأتي.
الحذر من نزول العقوبات العامة: كان الصالحون يخافون مباغتة النقم في مواطن الغفلة؛ فيجأرون إلى الله بالدعاء طلباً للعافية والستر.
الوعي بحقيقة القيامة الفردية: موت الفجأة يمثل تطبيقاً مصغراً لمباغتة القيامة؛ فالسعيد من كان مستعداً للقاء ربه في كل آن.