تفسير الآية والانتكاس المخزي وعمى الهوى بعد وضوح الحق: يصور الله تعالى الانقلاب الشيطاني المريع والردة النفسية التي أصابت قوم إبراهيم بعد لحظة اليقظة العابرة؛ فبعد أن اعترفوا بظلمهم وسفاهة عقولهم، عادت إليهم عصبية الجاهلية وكبرياء السلطان والخشية على مكاسبهم الوثنية، فانقلبت أفهامهم وعقولهم رأساً على عقب، وخاطبوا إبراهيم بحجة هي عين إدانتهم وفضيحتهم فقالوا: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تتكلم، فكيف تطلب منا سؤالها؟! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 489)مصدر غير محدد١٨/٤٨٩: «يقول تعالى ذكره: ثم انقلبوا على رؤوسهم في الرأي والضلالة بعد أن استقاموا وعلموا أنهم ظالمون؛ ردهم خذلانهم وشقاوتهم إلى الباطل، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت يا إبراهيم ما هؤلاء ينطقون فكيف تأمرنا بسؤالهم؟! فاحتجوا عليه بما هو الحجة الدامغة عليهم؛ إذ أقروا بألسنتهم أنها لا تنطق، فكيف يعبدون من لا ينطق ولا يسمع ولا يدفع ضراً؟!».
الآثار في معنى (نكسوا على رؤوسهم): قال قتادة وابن عباس ومجاهد والسدي: «نكسوا على رؤوسهم: أي انقلبوا في الرأي والحجة؛ كالإنسان الذي يُقلب فتصير قدماه فوق ورأسه تحت، مبالغة في فساد عقولهم ورجوعهم إلى الباطل بعد وضوح الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
ثم: حرف عطف يقتضي الترتيب والتراخي؛ والتراخي هنا في الرتبة لعظيم التباين والمفارقة بين الاعتراف بالظلم والرجوع الفوري للكفر.
نكسوا: النكس في اللغة: قلب الشيء رأساً على عقب، وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره؛ ومنه نكست الصبي إذا ولد برجله قبل رأسه، ونكست الراية.
على رؤوسهم: تمثيل حسي لانتكاس الفكر وانقلاب المعايير.
الإعراب التركيبي:
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي.
نُكِسُوا: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مبني على الضم، والواو نائب فاعل.
عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ (نُكسوا)، والضمير مضاف إليه؛ والجملة معطوفة على ما قبلها.
لَقَدْ: اللام موطئة لقسم مقدر، و(قد) حرف تحقيق.
عَلِمْتَ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل فاعل في محل رفع.
مَا: نافية لا عمل لها.
هَٰؤُلَاءِ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
يَنطِقُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هؤلاء)؛ وجملة (ما هؤلاء ينطقون) سدت مسد مفعولي (علمت) المعلقة بالنفي؛ والجملة مقول قول مقدر محذوف؛ أي: قائلين: لقد علمت...
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير الإفلاس العقلي في أوج صدمته: تبلغ السخرية الإلهية من المنطق الوثني ذروتها في هذه الآية؛ حيث جعلهم ينطقون بالحجة التي تدمغهم وتدينهم؛ فاحتجاجهم بـ {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ} اعتراف صريح بالعجز، ولكن عقولهم المنكوسة رأت هذا العجز وسيلة للتهرب من الجواب، فكانت حيلتهم دليلاً على خبالهم.
إيثار البناء للمجهول في {نُكِسُوا}: لم يسم الفاعل في نكسهم؛ للإشعار بأنهم دُفعوا إلى هذا الانتكاس دفعاً بقوة الهوى والعصبية والشياطين التي ركبتهم وسلبتهم عقولهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العناد بعد قيام الحجة وبرهانها:
تقرير الظاهرة النفسية في انتكاس المنحرفين: لماذا يرجع الإنسان إلى الباطل بعد أن استيقن بطلانه واعترف بظلمه؟!
المحاكمة والتحليل النفسي القرآني:
الآية تكشف ظاهرة (الارتكاس الإدراكي) الناتج عن الكبر والمصالح؛ فالاعتراف بالحق يقتضي التنازل عن الزعامة والمكانة الدينية الموروثة، وكسر تقاليد الآباء، ومتابعة هذا الفتى الأعزل؛ فثقلت هذه الاستحقاقات على نفوسهم المريضة، فآثروا الانتكاس على رؤوسهم والتمسك بالصنم الحجري على أن يذعنوا لسلطان التوحيد.
تصوير انتكاس فكرهم بـ {نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} من أروع صور البلاغة في القرآن؛ حيث شبه عقولهم برجل يمشي على رأسه وتتدلى قدماه في الهواء؛ فكيف يرى العالم من كان رأسه في الوحل وأقدامه في السماء؟! لقد انقلبت موازينهم الفطرية بالكلية.
الإشارة التدبرية: احذر الانتكاس بعد الاستقامة، والارتكاس في الشبهات بعد وضوح الآيات؛ فإن أعظم العقوبات الربانية أن يُنكس القلب بعد أن أضاءته بارقة الحق، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معرفة طبيعة العناد الجاهلي: الداعية لا يصاب بالإحباط إذا رأى المعاندين ينكصون على أعقابهم بعد وضوح الحجة؛ فهذه طبيعة الاستكبار البشري عبر التاريخ.
اقتناص اعترافات الخصم لإدانته: استثمار إقرارهم بأن الآلهة لا تنطق لتحويله إلى ضربة قاضية تنسف مذهبهم بالكلية، كما فعل إبراهيم في الآية التالية.
الدعاء الدائم بالثبات: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.