تفسير الآية والغاية من الخلق: ينزه الله تبارك وتعالى نفسه الكريمة عن العبث واللعب في خلق هذا الكون العظيم وما يحويه من سماوات وأرض وعوالم؛ بل خلقهما بالحق والعدل ولحكمة جليلة؛ وهي إظهار كمال قدرته وتوحيده، وابتلاء المكلفين بأمره ونهيه، ومحاسبتهم وجزاؤهم. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 426)مصدر غير محدد١٨/٤٢٦: «يقول تعالى ذكره: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما من أصناف الخلق عبثاً وباطلاً ولعباً، لا نأمر خلقهما ولا ننهاهم، ولا نجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، بل خلقنا ذلك لحكمة بالغة ولأمر عظيم، ليعلم العباد قدرتنا ويوحدونا، وليطيعوا أمرنا فنجزيهم على طاعتهم الثواب، ونعاقب أهل الكفر على معاصيهم».
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
السماء: كل ما علاك فأظلك، والمراد هنا الأجرام السماوية السبع العظيمة.
الأرض: موطن البشر والخلائق، وتجمع على أرضين وأراض.
اللاعبين: اللعب فعل ما لا فائدة فيه مقصودة، وهو نقيض الحكمة والجد.
الإعراب التركيبي:
وَمَا: الواو استئنافية أو عاطفة، (ما) نافية.
خَلَقْنَا: فعل ماض وفاعله.
السَّمَاءَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَالْأَرْضَ: معطوف منصوب بالفتحة.
وَمَا بَيْنَهُمَا: الواو عاطفة، (ما) اسم موصول معطوف في محل نصب، و(بينهما) ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والضمير مضاف إليه.
لَاعِبِينَ: حال منصوبة من الضمير (نا) في (خلقنا) وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمعنى: ما خلقناهما متلبسين باللعب والعبث.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من آيات الإهلاك إلى البرهان الكوني الكلي: بعد أن بين إهلاك الأمم السابقة ومصيرها الحتمي، رد على أصل شبهة المشركين الغافلين؛ فإن غفلتهم وإعراضهم وظنهم أنه لا بعث ولا حساب ولا رسالة يشعر بأنهم يتوهمون الكون قد خُلق سدى وعبثاً! فنبههم على عظمة الخلق ليدركوا حتمية الجزاء وكمال حكمة الخالق.
إثبات القيامة والعدالة من خلال كمال الصنعة: الرب الحكيم الذي شيد هذا النظام الكوني البديع بنجومه وأفلاكه وقوانينه الصارمة يستحيل عقلاً أن يسوي بين المصلح والمفسد، أو يترك الظالم بلا عقاب والمظلوم بلا إنصاف؛ فنفي اللعب يستلزم عقلاً حتمية يوم الحساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير المذهب العبثي الإلحادي: يزعم الماديون والملاحدة أن الكون نشأ صدفة ويتجه نحو الموت الحراري بلا غاية ولا قصد ولا حساب، وأن الحياة عبث مجرد!
المحاكمة العقلية والبرهان القرآني:
دلالة الإتقان والغائية: النظام الكوني والفيزيائي الدقيق الذي لا يختل فيه مدار كوكب ولا نسبة غاز يستحيل عقلاً أن يكون صادر عن عبث أو لعب؛ فالإتقان الرياضي الباهر ينفي الصدفة ويشهد بالغاية الحكيمة والقصد الإلهي المحيط.
حاجة الوجود إلى إحقاق العدل: إن حرمان المظلوم من الإنصاف وتربية المجرم على ظلمه دون عقاب يتناقض تناقضاً جذرياً مع الحكمة العقلية؛ ونفي اللعب {لَاعِبِينَ} يثبت أن وراء هذا المشهد الدنيوي داراً أخرى تستقر فيها موازين القسط.
التعبير بالحال المنفية {لَاعِبِينَ} يفيد استغراق تنزيه الذات الإلهية عن أي شبهة من شبهات النقص والعبث؛ فكل ذرة في الوجود مقدرة بميزان الحكمة البالغة.
شمول العطف {وَمَا بَيْنَهُمَا} يستوعب جميع الكائنات الوسيطة من هواء وسحاب وطير وملائكة وجن؛ فلا يخرج كائن واحد عن دائرة التدبير الحكيم.
الإشارة التدبرية: إذا كان الله لم يخلق أصغر ذرة في الكون عبثاً، فكيف بك أنت أيها الإنسان المكرّم المزود بالعقل والبيان؟! هل تظن أنك خلقت لتأكل وتشرب ثم تفنى دون أن تُسأل وتُحاسب؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مسؤولية الوجود: إدراك الغائية الكونية يملأ نفس المؤمن بالجدية والاستقامة، ويطرد عنها السأم والعبثية والإحباط.
التفكر في ملكوت السماوات والأرض: عبادة التفكر في الكون تورث تعظيم الخالق وتربط القلب بعظمته وحكمته.
البناء الحضاري الهادف: إذا كان الكون كله مبنياً على الجد والغاية، فلا مكان في حياة المسلم للهو الضائع والبطالة والكسل.