تفسير الآية ومقام الصبر الأيوبي وأدب الدعاء الخالد: ينتقل السياق النوراني إلى مدرسة الصبر واليقين المتمثلة في نبي الله أيوب عليه السلام؛ مذكراً بخبره حين نزل به البلاء العظيم في جسده وماله وولده، فصبر صبراً جميلاً لم يتسخط فيه على قضاء ربه، حتى إذا بلغت المحنة مداها رفع نداءه المفعم بغاية الأدب والضراعة والافتقار قائلاً: يا رب، إني قد أصابني الضر والمرض والبلاء، وأنت أرحم الراحمين بعبادك المبتلين، فكفاني علمك بحالي عن مقالي. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 521)مصدر غير محدد١٨/٥٢١: «يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد عبدنا ونبينا أيوب إذ نادى ربه ودعاه بضراعة ومسكنة وأدب: أني مسني الضر؛ أي أصابني البلاء في جسدي وذهاب مالي وموت أهلي وولدي، وأنت أرحم الراحمين: استعطف ربه بصفة رحمته التي وسعت كل شيء، ولم يصرح بسؤال كشف الضر حياءً وأدباً مع ربه، بل ذكر حاله وافتقاره إلى رحمة أرحم الراحمين».
الآثار في ابتلاء أيوب وصبره:
روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ... فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعْلَمُ وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ! فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلَّا فِي حَقٍّ! وَخَرَجَ إِلَى حَاجَتِهِ... فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الضر: بضم الضاد: ما يصيب البدن من مرض وهزال وسقم وضعف؛ وبفتح الضاد (الضَّر): ضد النفع ويشمل كل مكروه في المال والبدن.
مسني: المس الإصابة الخفيفة؛ واستعمله هنا أدباً مع ربه في تهوين ما نزل به وتعظيم شكر النعم السابقة.
أرحم الراحمين: صيغة تفضيل مضافة للجمع؛ أي أوسع كل راحم رحمة، ورحمته سبقت غضبه وتفيض على عباده باللطف.
الإعراب التركيبي:
وَأَيُّوبَ: الواو عاطفة، (أيوب) مفعول به لفعل محذوف تقديره واذكر أيوب منصوب بالفتحة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة).
إِذْ: ظرف زمان مبني في محل نصب بدل اشتمال من أيوب أو متعلق باذكر.
نَادَىٰ: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو؛ والجملة مضاف إليه لـ (إذ).
رَبَّهُ: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
أَنِّي: (أنّ) حرف توكيد ونصب، والياء اسمها.
مَسَّنِيَ: فعل ماض مبني على الفتح، والنون للوقاية، والياء ضمير مفعول به مقدم في محل نصب.
الضُّرُّ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة مسني في محل رفع خبر (أنّ)؛ والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل جر بحرف جر محذوف؛ أي نادى بأني، أو في محل نصب بنزع الخافض.
وَأَنتَ: الواو حالية، (أنت) ضمير منفصل مبتدأ.
أَرْحَمُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف.
الرَّاحِمِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة للاستعطاف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة الأدب النبوي في عرض الشكوى: تأمل عبقرية البلاغة القرآنية في صياغة دعاء أيوب؛ فلم يقل: يا رب اشفني وعافني وأعطني، بل جمع بين ثلاثة معالم من أعلى مقامات العبودية:
عرض حاله بوصف المساس الخفيف تواضعاً وأدباً: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}.
التوسل بصفة الرحمة الذاتية لله: {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
تفويض الأمر إلى كرم ربه دون شرط ولا اقتراح؛ اكتفاءً بعلم المنعم بحال العبد المبتلى.
التناسب مع موكب الأنبياء: بعد أن استعرض موكب القوة والتمكين والملك والرياح والشياطين مع داود وسليمان، جاء بنموذج الصبر والابتلاء والمرض مع أيوب؛ ليعلم المؤمنون أن النبوة والولاية لا تمنع نزول البلاء في الدنيا، وأن العبودية كما تظهر في الشكر على النعم تظهر في الصبر على النقم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الأساطير والإسرائيليات في وصف مرض أيوب:
تقرير الخرافات الإسرائيلية الباطلة: ذكرت بعض كتب الإسرائيليات المكذوبة أن جسد أيوب تقرح وتدود وتساقط لحمه وعافه الناس ورموه في المزبلة خارج المدينة!
تنزيه الأنبياء والتحقيق السني المحكم:
أجمع أئمة التحقيق من أهل السنة (كابن كثير والقرطبي والشوكاني والقاضي عياض) على كذب هذه الإسرائيليات وبطلانها؛ فالأنبياء معصومون من كل مرض منفر تنفر منه الطباع وتعافه النفوس؛ لأن التنفير يتنافى مع وظيفة البلاغ ومخالطة الناس؛ وإنما أصيب أيوب بمرض شديد باطن وألم وهزال عظيم وذهاب لأمواله وأولاده مع بقاء عقله ولسانه الشريف رطباً بذكر الله وجمال صورته؛ فصبر واحتسب ولم يتسخط طرفة عين.
استعمال لفظ {مَسَّنِيَ} بدلاً من (أهلكني أو دمرني) غاية في الأدب واللطف؛ فالسنون الطويلة من المرض العضال جعلها أيوب مجرد (مسّ) خفيف إذا قورنت بنعم الله السابقة وسعة رحمته اللاحقة.
الثناء بـ {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} يتضمن في طياته أعظم معاني الرجاء واليقين بأن البلاء محفوف بالرحمة الخفية.
الإشارة التدبرية: الشكوى إلى الله عبادة، والشكوى من الله إلى الخلق مذلة وهوان؛ وأيوب لم يشكُ ربه، بل شكا إلى ربه ضعفه وافتقاره، فصار إماماً للمبتلين وأسوة للمكروبين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء المأثور عند المرض والكرب: ملازمة دعاء أيوب: «رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»؛ فإنه مفتاح كشف البلايا وشفاء الأسقام.
مقام الصبر الجميل والرضا بالقضاء: المؤمن لا يجزع إذا نزل به المرض أو فقد المال؛ فإن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
الأدب في مناجاة الله تعالى: حسن التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا وإظهار الضعف والمسكنة عند الدعاء.