تفسير الآية وفيض الفرج الإلهي وإخلاف النعم لأيوب: يخبر الله جل وعلا عن سرعة استجابته لنداء عبده الصابر أيوب؛ فكشف عنه كل ما نزل به من ضر وسقم في بدنه، وأمره أن يركض برجله فنبعت له عين ماء باردة اغتسل منها فشفي باطنه وظاهره وعاد أصح وأجمل مما كان، ورد الله عليه أهله وولده، ووهب له مثلهم معهم في العدد والنعمة والبركة؛ كل ذلك رحمة منه وفضلاً، وتذكرة وعبرة لكل عبد عابد مبتلى ليعلم أن الصبر مفتاح الفرج. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 523)مصدر غير محدد١٨/٥٢٣: «يقول تعالى ذكره: فلما دعانا أيوب واستعطفنا برحمتنا، أجبنا دعوته، فكشفنا ما نزل به من ضر في جسده وعافيناه، وآتيناه أهله؛ أي رددنا عليه أهله وولدَه ووهبنا له مثلهم معهم، رحمة من عندنا: تفضلاً منا عليه ورحمة بصبره واحتسابه، وذكرى للعابدين: وتذكرة وعظة وموعظة لكل من عبد الله وصبر على بلائه؛ ليعلم أن عاقبة الصبر الفرج والظفر والكرامة في الدنيا والآخرة».
الأحاديث والآثار النبوية في شفاء أيوب وإخلاف أهله:
روى البخاري في صحيحه (رقم 3391)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٩١ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ!».
وفي قوله: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ}: قال ابن عباس وقتادة والحسن: «أحيا الله له أولاده الذين ماتوا بأعيانهم، ورزقه مثلهم معهم في الدنيا، وقيل: أوتي مثلهم في الدنيا ووفر له أجر الأولين في الآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مَا: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (كشفنا).
بِهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
مِن ضُرٍّ: جار ومجرور متعلق بمحذوف بيان لـ (ما) أو حال منها.
وَآتَيْنَاهُ: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول (الهاء).
أَهْلَهُ: مفعول به ثان منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
وَمِثْلَهُم: الواو عاطفة، (مثلهم) معطوف على (أهله) منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
مَّعَهُمْ: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف حال من (مثلهم)، وهم مضاف إليه.
رَحْمَةً: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي فعلنا ذلك رحمة منا به، أو مصدر في موضع الحال.
مِّنْ عِندِنَا: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (رحمة).
وَذِكْرَىٰ: معطوف على (رحمة) منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر وهو مضاف.
لِلْعَابِدِينَ: جار ومجرور متعلق بـ (ذكرى).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تلاحق الفاءات العاطفة للسرعة والإنجاز: ركب النظم الإلهي الاستجابة بفاءات سريعة متلاحقة: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا...}؛ لبيان أن لطف الله إذا تنزل لم يقف أمامه حائل، وأن كشف البلاء الذي استمر سنين طويلة تبدد في غمضة عين بأمر كن فيكون.
المضاعفة في العطاء والتعويض: لم يقتصر الجزاء على الشفاء وحده، بل شمل:
تخليد ذكره موعظة للعالمين: {وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يُجمع بين موت الأبناء وإعادتهم في الدنيا؟:
تقرير الإشكال العقلي والشرعي:
القادر على إحياء الموتى يوم القيامة قادر على إحيائهم في الدنيا كرامة لنبيه أيوب، كما أحيا قتيل بني إسرائيل، وأحيا الموتى لعيسى بن مريم؛ فإن كان الله قد أحياهم له فذلك إعجاز وبرهان، وإن كان رزقه أولاداً آخرين في الدنيا بعدد من ماتوا مع بقاء أجر الماضين فكلا الأمرين فضل عظيم وتحقيق لوعد {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ}.
تنكير {رَحْمَةً} يفيد التعظيم؛ أي رحمة واسعة عظيمة جليلة القدر لا تقاس برحمات البشر.
إضافة العندية {مِّنْ عِندِنَا} تشعر بأن هذا العطاء نابع من خزائن الجود الإلهي الخاصة التي لا تنفد.
تخصيص {لِلْعَابِدِينَ} بالذكر؛ لأن العابد لله هو الذي يدرك حقيقة الابتلاء ويتسلى بصبر أيوب؛ فيعلم أن البلاء ليس علامة هوان على الله، بل هو طريق رفعة الدرجات.
الإشارة التدبرية: ما بعد الصبر إلا الفرج، وما بعد العسر إلا اليسر؛ فكل دمعة ذرفتها في محنتك، وكل وجع كتمته محتسباً، سيعوضك الله عنه بأضعاف ما فقدت في الدنيا والآخرة، فثق بربك واستبشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بث الأمل في نفوس المرضى والمبتلين: قصة أيوب بلسم شافي لكل مريض ومبتلى يصارع الألم وسنوات العلاج؛ فليعلم أن الشافي هو الله وأن الفرج قريب.
الاستعانة بالصبر والصلاة والذكر: العبادة هي التي تثبت المبتلى؛ فالله سمى المعتبرين بأيوب {الْعَابِدِينَ} لأن عبادتهم هي التي حفظت يقينهم عند الشدائد.
شكر الله على العافية بعد البلاء: إذا منَّ الله عليك بالشفاء أو زوال الغمة فبادر بالشكر ومضاعفة الطاعات والحرص على بركة الله.