تفسير الآية وافتتاح موكب الأنبياء بالتوراة وموسى وهارون: يفتتح الحق سبحانه وتعالى هذا المقطع الثاني العظيم من السورة باستعراض مواكب الأنبياء الكرام؛ مبتدئاً بنبيه موسى وأخيه هارون عليهما السلام؛ مبيناً أنه آتاهما التوراة وما فيها من الشرائع والبراهين، وجعلها فرقاناً يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وضياءً يستضاء به في ظلمات الجهل والشبهات، وتذكرة وشرفاً للمتقين الذين يخافون عقاب الله ويرجون ثوابه. قال الإمام الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 470)مصدر غير محدد١٨/٤٧٠: «يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا موسى بن عمران وأخاه هارون الفرقان؛ وهو التوراة التي فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وضياءً: أي نوراً يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، ويبصر به معالم الدين، وذكراً للمتقين: وتذكيراً وموعظة وشرفاً للذين يتقون الله بطاعته واجتناب معاصيه، فيتذكرون به ما أوجب الله عليهم».
الآثار في معنى (الفرقان والضياء والذكر):
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «الفرقان: هو النصر والظفر على فرعون وقومه، والتوراة التي فصل الله بها بين الحق والباطل».
وقال الحسن البصري والسدي: «الفرقان والضياء والذكر أوصاف للتوراة المنزلة على موسى وهارون؛ فهي فرقان يفرق بين الشك واليقين، ونور يكشف الأحكام، وتذكرة للقلوب المؤمنة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الفرقان: مصدر فَرَقَ، وهو ما يُفرَّق به بين الحق والباطل في العقائد والأحكام، ويطلق على النصر الإلهي الفارق.
الضياء: النور الساطع المشع الذي فيه إشراق وحرارة وهداية؛ وأصله من الضوء.
الذكر: التذكير والموعظة والشرف الرفيع.
المتقين: جمع متقٍ، وهو من جعل بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
الإعراب التركيبي:
وَلَقَدْ: الواو استئنافية، واللام موطئة لقسم مقدر محذوف، و(قد) حرف تحقيق وتوكيد.
آتَيْنَا: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل.
مُوسَىٰ: مفعول به أول منصوب بالفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
لِّلْمُتَّقِينَ: اللام حرف جر، و(المتقين) مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (ذكراً) أو لجميع الأوصاف المذكورة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسن التخلص وبداية موكب النبوة: بعد أن حسم المقطع الأول قضايا التوحيد والبعث والرد على المشركين المستهزئين وأقام موازين القسط، جاء هذا المقطع ليكون تصديقاً عملياً وتاريخياً لوحدة الرسالة الإلهية؛ فاستفتح بموسى وهارون اللذين يعرف أهل الكتاب وأهل مكة خبرهما؛ ليؤكد أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل.
ثلاثية الأوصاف للتوراة (فرقان، ضياء، ذكر): جمعت هذه الأوصاف الثلاثة وظائف الكتاب الإلهي:
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إفراد الإيتاء لموسى في آيات أخرى وجمعه مع هارون هنا:
تقرير الإشكال: قال في سورة البقرة: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ}، فأفرد موسى، وهنا قال: {آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ}!
المحاكمة والجواب التحقيقي:
موسى هو الأصل في تلقي الألواح والتوراة، ولكن هارون كان شريكاً له في النبوة والرسالة والبلاغ ومؤازراً له بأمر الله: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 32]، فكان الكتاب نازلاً لهما معاً للعمل به وتبليغه لبني إسرائيل وحراسته؛ فإسناد الإيتاء إليهما معاً إسناد حقيقي لمقام شراكتهما في حمل الأمانة والفرقان.