تفسير الآية والتهكم بالمستكبرين: يقال لهؤلاء الفارين الهاربين على سبيل التوبيخ والتقريع والتهكم بهم في أوج فزعهم: لا تركضوا هاربين، وارجعوا إلى نعمكم ولذائذكم ودوركم وقصوركم المشيدة التي كنتم تتنعمون فيها لعل من كان يستفتيكم أو يسألكم من حواشيكم يسألكم عن شؤونكم أو يسألكم الفقراء نوالكم! قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 423)مصدر غير محدد١٨/٤٢٣: «يقول تعالى ذكره: قيل لهم تهكماً بهم وتوبيخاً واستهزاءً: لا تركضوا ولا تهربوا من بأس الله النازل بكم، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه من دنياكم ولذاتها وشهواتها ومساكنكم الفاخرة، لعلكم تسألون من دنياكم شيئاً كما كنتم تسألون وتفزع إليكم أتباعكم في النوائب، فتجيبوهم وتأمروا فيهم بنفوذ سلطانكم!».
القائل لهم: قال قتادة والسدي: تقوله الملائكة الموكلة بعذابهم بأمر الله تعالى؛ توبيخاً لهم وإظهاراً لعجزهم التام. وقيل: يقوله لسان الحال وتصرفه الصارم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
أترفتم: الإتراف هو التوسع في النعمة والرخاء مع البطر والطغيان؛ والمترف هو الذي أبطرته النعمة وأفسدته الرفاهية.
مساكنكم: جمع مسكن، وهو الموضع الذي يسكن فيه الإنسان ويستقر؛ والمراد القصور والدور المنيعة.
لعلكم تسألون: الترجي هنا مستعمل في التهكم والاستهزاء؛ والسؤال إما سؤال استفتاء وطلب رأي، أو سؤال عطاء وصدقة، أو سؤال استخبار وتفقد.
الإعراب التركيبي:
لَا تَرْكُضُوا: (لا) ناهية جازمة، و(تركضوا) فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل؛ والجملة مقول قول مقدر؛ أي قيل لهم: لا تركضوا.
وَارْجِعُوا: الواو عاطفة، و(ارجعوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والأمر هنا للتهكم والتعجيز.
إِلَىٰ مَا: جار ومجرور متعلق بـ (ارجعوا)، و(ما) اسم موصول.
أُتْرِفْتُمْ: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على السكون، والتاء نائب فاعل، والميم علامة الجمع.
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ (أترفتم)، وصلة الموصول لا محل لها.
لَعَلَّكُمْ: (لعل) حرف ترج ونصب للتهكم، والكاف اسمها.
تُسْأَلُونَ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التهكم والتبكيت: جاء الخطاب في مشهد الركض المذعور ليقطع عليهم كل أمل؛ فالتذكير بما كانوا فيه من رغد العيش والقصور في لحظة الموت والدمار هو أشد عذاباً للنفس من وقع السيوف؛ لأن الحسرة على النعمة الزائلة تقطع الأكباد.
الالتفات إلى ما أترِفوا فيه ومساكنهم: نكأ جراحهم بذكر أمرين هما غاية تشبث الإنسان بالدنيا: الترف والاستمتاع، والمساكن الحصينة؛ فبيّن أن تلك القصور وتلك الملاذ لم تدفع عنهم مثقال ذرة من بأس الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إيراد صيغة الترجي (لعلكم) في حق الله أو ملائكته:
تقرير الإشكال: كيف يستعمل حرف الترجي (لعل) وهو يدل على الشك والترقب، والله تعالى يعلم ما كان وما يكون؟
المحاكمة والرد:
الترجي هنا مجاز مرسل أو استعارة تهكمية مقصودة لمخاطبة ظنونهم وأوهامهم السابقة؛ أي ارجعوا إلى نعيمكم الذي كنتم ترجون به الرفعة والمكانة لعلكم تجدون فيه ما رجوتموه من السيادة وأن يُفزع إليكم بالسؤال! فهذا من باب مجاراة الخصم لإلزامه بفضيحته وعجزه، وهو أسلوب عربي قرآني رفيع.
صياغة النهي والأمر: {لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا} في موطن لا يملكون فيه قراراً ولا رجعة يحمل في طياته أعلى درجات التوبيخ العادل.
بناء الفعل للمجهول في {أُتْرِفْتُمْ} و{تُسْأَلُونَ} لإبراز أثر النعمة والسيادة التي تبددت وذهبت أدراج الرياح.
الإشارة التدبرية: كل نعمة لا تُستعمل في طاعة المنعم تنقلب في النهاية حسرة وسخرية على صاحبها؛ وإن قصور المترفين ستكون يوماً شواهد على خيبتهم ودمارهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطر الترف على الأمم والأفراد: الترف داء يفسد الفطرة ويقسي القلوب ويورث التمرد على الحق؛ وما أهلك الله قرية إلا وكان مترفوها رأس الفساد فيها: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء: 16].
شكر النعم بالبذل والتواضع: الواجب على من وسع الله عليه في الرزق والمساكن أن يتواضع لله ويجعل ماله في خدمة المحتاجين ونصرة الدين قبل أن يفجأه زوال النعم.
الافتقار إلى الله في مواطن العز: عز المؤمن في عبوديته لربه، أما الاغترار بالمظاهر الدنيوية فسراب يزول عند أول نفحة من نفحات الآخرة.