تفسير الآية وقضية الحرث ونفش الغنم: ينتقل السياق إلى نبيي الله داود وابنه سليمان عليهما السلام، مذكراً بالقضية الفقهية والقضائية الشهيرة التي اختصم فيها رجلان إليهما؛ حيث كان لأحدهما زرع أو كرم (حرث)، وللآخر غنم، فانفلتت الغنم ليلاً في الزرع فأفسدته وأكلت ثماره وأغصانه؛ فحكم داود عليه السلام بتسليم الغنم كلها لصاحب الزرع تعويضاً عما فاته؛ فلما خرج الخصمان على سليمان وهو شاب عرض حكماً أرفق بالطرفين وأعدل، وكان الله شاهداً على حكمهما وعالماً باجتهادهما. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 509)مصدر غير محدد١٨/٥٠٩: «يقول تعالى ذكره: واذكر داود وسليمان إذ يحكمان في قضية الحرث، حين نفشت فيه غنم القوم ليلاً فأكلته وأفسدته؛ والنَّفْشُ لا يكون إلا بالليل، والهمل بالنهار؛ فقضى داود بالغنم لصاحب الحرث، لما قومت الغنم وقُوِّم ما أفسدت من الزرع فوجدا متقاربين؛ فقال سليمان: ليس كذلك يا نبي الله، ولكن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها وأولادها ومنافعها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم فيقوم عليه ويسقيه ويصلحه حتى يعود كما كان كهيئته يوم أفسدته الغنم، ثم يترادّان؛ فيأخذ صاحب الغنم غنمه، وصاحب الحرث حرثه؛ فاستحسن داود قضاءه وأمضاه».
الآثار في حكم الداودين وسليمان: روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري بأسانيد صحيحة في تفصيل هذه الواقعة؛ قال ابن مسعود: «كان الحرث كرماً قد بدت عناقيده، فأفسدته الغنم، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم؛ فلما خرجا على سليمان أخبره بالخبر، فدخل على داود فقال: القضاء غير هذا يا نبي الله؛ تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيصلحه، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب من منافعها، حتى إذا كان الكرم كما كان رده إليه، وأخذ غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيتَ، وقضى به».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
الحرث: الأرض المهيأة للزرع والغرس؛ ويطلق على الزرع نفسه والشجر والكرم؛ مأخوذ من حرث الأرض إذا شقها وقلبها للزراعة.
نفشت: النفش في لغة العرب: رعي الإبل والغنم ليلاً بلا راع؛ يقال: نفشت الغنم تنفِش نفشاً إذا انتشرت ليلاً في الزرع فأكلت وأفسدت؛ وأما رعيها نهاراً فيسمى: الهمل والرعي.
لحكمهم شاهدين: شهود علم وإحاطة وتأييد لحكمهما؛ وجمع الضمير (حكمهم) لاشتمال الحاكمين والمتحاكمين، أو تعظيماً.
الإعراب التركيبي:
وَدَاوُودَ: الواو عاطفة، (داود) مفعول به لفعل محذوف تقديره واذكر داود، منصوب بالفتحة الظاهرة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة).
إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من داود وسليمان، أو متعلق باذكر المحذوف.
يَحْكُمَانِ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين فاعل، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (إذ).
فِي الْحَرْثِ: جار ومجرور متعلق بـ (يحكمان).
إِذْ: ظرف زمان ثان مبني في محل نصب بدل من (إذ) الأولى، أو متعلق بـ (يحكمان).
نَفَشَتْ: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ (نفشت).
غَنَمُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
الْقَوْمِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ وجملة نفشت في محل جر بالإضافة لـ (إذ) الثانية.
وَكُنَّا: الواو حالية أو عاطفة، فعل ماض ناقص و(نا) اسمها.
لِحُكْمِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ (شاهدين)، والضمير مضاف إليه.
شَاهِدِينَ: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأصيل مدرسة الاجتهاد القضائي وتفاوت الأفهام: جاءت هذه الآية لتسجل أصلاً كبيراً في الفقه الإسلامي ومناهج الحكم؛ وهو جواز اجتهاد الأنبياء والعلماء في النوازل التي لم ينزل فيها نص قاطع، وإمكانية تفاوت المجتهدين في دقة استنباط المصلحة والعدل مع بقاء الأجر والفضل للطرفين.
إسناد الشهادة إلى الله {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}: طمأنة للقلوب بأن مجريات القضاء والعدل لم تكن غائبة عن عين الله ورعايته؛ بل كان سبحانه حاضراً بعلمه وتوفيقه ورقابته لئلا يقع جور ولا حيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة خطأ داود ونقص علمه أمام ابنه سليمان:
تقرير الإشكال: هل يستلزم قضاء سليمان تخطئة داود في حكمه والقدح في مكانته النبوية؟
رد أئمة السنة والفقهاء والمحاكمة الرصينة:
كلا الحكمين صادر عن اجتهاد مشروع وعدل: أجمع أئمة التفسير والأصول (كالطبري والقرطبي وابن تيمية وابن كثير) على أن داود لم يكن جائراً ولا مخطئاً خطأ يأثم به؛ بل حكم بالعدل الصرف المجرد؛ إذ ضمن الجاني قيمة ما أتلفته غنمه من أصل الرقبة؛ وكان الضرر مساوياً لقيمة الغنم؛ أما سليمان فألهمه الله حكماً جمع بين العدل والإحسان والمصلحة التامة؛ بإبقاء أصول الأموال لأصحابها والتعويض من المنافع والأرباح؛ فكان حكم سليمان أرفق وأدق؛ ولذلك قال الله في الآية التالية: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}.
قاعدة اجتهاد الحاكم وأجره: استنبط العلماء من هذه الواقعة الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (رقم 7352)مصدر غير محددحديث رقم ٧٣٥٢ ومسلم (رقم 1716)مصدر غير محددحديث رقم ١٧١٦ عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». فداود له أجر الاجتهاد والعدل، وسليمان له أجران للتوفيق والإصابة.
استعمال القرآن للفظ {نَفَشَتْ} دون (رعت) من روائع الإعجاز اللغوي؛ لأن النفش رعي مقيد بالليل، والليل وقت غفلة صاحب الزرع ونومه، مما يحمّل أصحاب الماشية مسؤولية حفظها بالليل؛ وبناء على هذا اللفظ المعجز أسس الفقهاء قاعدة: «على أصحاب المواشي حفظها ليلاً، وعلى أصحاب الزروع حفظها نهاراً».
الإشارة التدبرية: الفهم منحة خاصة من الله يفتح بها على من يشاء من عباده؛ فكم من صغير سن يفهم من دقائق الحكم ما يقصر عنه كبار الشيوخ؛ فالعبرة بنور البصيرة وتوفيق الله لا بمجرد السن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الخلاف الفقهي والاجتهادي: اتساع الصدور لتنوع الآراء الاجتهادية؛ فداود لم يغضب من مخالفة ابنه الشاب سليمان لحكمه، بل نزل عند رأيه واستحسنه ورجع إليه، وهذا قمة التواضع والإنصاف.
إصلاح ذات البين بالحلول الرفيقة: على المصلح والقاضي أن يبحث عن الأحكام التي تحفظ على الناس أصول أموالهم وتؤلف بين قلوبهم دون إجحاف.
استشعار رقابة الله في الحكم والشهادة: القاضي يجلس بين يدي الله، والله شاهد على حكمه وحركاته وسكناته.