تفسير الآية وإطلاق الضربة القاضية على الوثنية: لما نطق القوم بملء أفواههم معترفين بعجز أصنامهم عن النطق: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ}، انقضَّ عليهم خليل الرحمن إبراهيم بحجته القاطعة التي أغلقت كل منافذ التهرب؛ فصرخ في وجوههم مستنكراً وموبخاً بأعلى درجات التقريع: إذا كنتم تعلمون وتوقنون أنها لا تنطق ولا تسمع، أفأصابكم العمى والجنون حتى تعبدوا من دون الله الخالق القادر ما لا يملك لكم أدنى نفع في دنياكم وآخرتكم، ولا يدفع عنكم ولا عن نفسه أدنى ضر؟! قال الإمام الطبري (ج 18، ص 490)مصدر غير محدد١٨/٤٩٠: «يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه حين أقروا بأن أصنامهم لا تنطق: أفإن كنتم تعلمون أنها لا تنطق ولا تفهم، أتعبدون من دون الله القادر على كل شيء، حجارة وأوثاناً لا تملك لكم نفعاً إن أطعتموها، ولا ضراً إن عصيتموها وكسرتموها؟! فما وجه عبادتكم لها وأنتم تعلمون عجزها التام؟!».
الآثار في سياق الحجة: قال قتادة والسدي: «أفحمهم إبراهيم وحاصرهم في مضيق لا مفر منه؛ فاعترفوا بالعجز فقرعهم به في مجمع الناس».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
العبادة: كمال الذل والخضوع مع كمال التعظيم والمحبة.
النفع والضر: جلب الخير ودفع المكروه؛ وهما أخص خصائص الربوبية والألوهية الحقة.
شيئاً: نكرة في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق التام لأدنى ذرة من النفع أو الضر.
مِن دُونِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (ما) أو بالفعل تعبدون، واسم الجلالة مضاف إليه.
مَا: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ (تعبدون).
لَا: نافية لا عمل لها.
يَنفَعُكُمْ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر يعود على (ما)، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
شَيْئًا: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب بالفتحة؛ أي نفعاً ما قليلاً كان أو كثيراً، أو مفعول به ثان.
وَلَا يَضُرُّكُمْ: الواو عاطفة، (لا) لتأكيد النفي، ومضارع مرفوع والفاعل مستتر والكاف مفعول به؛ والجملتان صلة الموصول لا محل لها، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انقضاض إبراهيم بالاستفهام الإنكاري: {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ}؛ فبطل الشرك بحكم العقل المشترك وبشهادتهم هم لا بمجرد دعوى خصمهم.
تقديم النفع على الضر في السياق: قدم {مَا لَا يَنفَعُكُمْ}؛ لأن العابد إنما يقصد بعبادته أولاً تحصيل النفع والبركة والخير، فلما نفى النفع أتبعه بنفي الخوف من ضرها وبطشها؛ ليسقط كل طمع وكل رهبة من نفوسهم تجاه تلك الأصنام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسويغ عبادة ما لا ينفع ولا يضر:
تقرير الحجة العقلية الضرورية:
الألوهية لا تصح عقلاً لمن لا يملك النفع والضر؛ لأن العبادة خضوع ودعاء ورجاء وخوف؛ فإن كان المعبود عاجزاً عن جلب مسرة أو دفع مضرة عن نفسه فكيف بغيره؟! فالآية تؤسس القاعدة العقلية الفطرية: العبادة تتبع القدرة والإنعام؛ فمن لا نفع عنده ولا ضر ولا خلق له، فصرف العبادة له عين السفه والجنون.
تنكير كلمة {شَيْئًا} في سياق النفي أفاد استغراق نفي أقل قليل من النفع؛ فلا نفع يرجى منها في قطرة ماء، ولا لقمة خبز، ولا شفاء مرض، ولا ذرة خير في الدنيا والآخرة.
الاستفهام الإنكاري بـ {أَفَتَعْبُدُونَ} يحمل في طياته صرخة إيقاظ تصك الأسماع وتبكت العقول المتبلدة.
الإشارة التدبرية: كل مخلوق يتعلق به قلبك ترجوه أو تخافه من دون الله فهو في حقيقته لا ينفعك شيئاً ولا يضرك إلا بإذن الله؛ فاقطع حبال الرجاء والخوف من المخلوقين وأفردهما للحي الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجرأة في فضح سخافة الشرك: على الداعية أن يبين للناس بجرأة وحكمة تفاهة ما يُعبد من دون الله من أضرحة أو خرافات أو مذاهب وضعية عاجزة.
استثمار اعترافات الخصوم: الذكاء الدعوي يقتضي البناء على ما يقر به الخصم لإلزامه بالنتيجة الحتمية.
ترسيخ التوحيد بالاعتماد على النافع الضار وحده: لا نافع ولا ضار على الحقيقة إلا الله؛ وهذا الاعتقاد يملأ قلب المسلم عزة وشجاعة وطمأنينة.