تفسير الآية والامتنان بالقرآن المبارك وتوبيخ المنكرين: بعد أن ذكر تبارك وتعالى ما أنزل على موسى وهارون من الفرقان والضياء والذكر، أشار إلى القرآن الكريم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، مبيناً أنه ذكر عظيم كثير البركات والخيرات والنفع في الدين والدنيا والآخرة، أنزله الله بفضله، ثم وبخ كفار مكة على إنكارهم له وجحودهم لنعمته. قال الإمام الطبري (ج 18، ص 472)مصدر غير محدد١٨/٤٧٢: «يقول تعالى ذكره: وهذا القرآن الذي أنزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم ذكر مبارك؛ يقول: تذكير وموعظة لمن تذكر به، مبارك: كثير الخير والنفع والبركة لمن اتبعه وعمل بما فيه؛ أنزلناه إليكم يا معشر قريش كما أنزلنا التوراة على موسى وهارون، أفأنتم له منكرون؛ تكذبون به وتجحدون أنه من عند الله مع وضوح برهانه وعظم بركته؟!».
الآثار في بركة القرآن: قال قتادة: «مبارك: بورك فيه ففيه علم الأولين والآخرين، ومفاتيح الهداية، وعصمة من الضلال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
هذا: اسم إشارة للقريب الحاضر، والمراد به القرآن الكريم.
مبارك: اسم مفعول من بارك، والبركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء ونماؤه وزيادته واستمراره.
منكرون: اسم فاعل من أنكر، والإنكار جحود الحق بعد معرفته ونقيض الإقرار والاعتراف.
الإعراب التركيبي:
وَهَٰذَا: الواو عاطفة، الها للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
ذِكْرٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مُّبَارَكٌ: نعت لـ (ذكر) مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَنزَلْنَاهُ: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل رفع نعت ثان لـ (ذكر).
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ (منكرون)، وقُدم للاهتمام والتقريع.
مُنكِرُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في معرض الإنكار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة والشهادة المتبادلة بين الكتابين: هذا من أبدع سياقات القرآن في الربط بين النبوات؛ فبعد أن قرر إنزال الفرقان والضياء والذكر على موسى وهارون في الآية (48)، عطف عليه مباشرة بالإشارة الحاضرة: {وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ}؛ ليلزمهم بالحجة: إن كنتم تقرون بأن الله أنزل على موسى كتاباً، فهذا القرآن من جنس ذلك الوحي، بل هو أعظم بركة وأخلد ذكراً، فما مسوغ إنكاركم لهذا مع اعترافكم بالأول؟!
التقديم البياني في {لَهُ مُنكِرُونَ}: تقديم الجار والمجرور لتسليط الإنكار والتوبيخ على متعلق الجحود؛ فكيف يُنكر كتاب هذه صفته وهذا فيض بركته؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار نبوة محمد مع الإقرار بنبوة موسى:
تقرير التناقض العقلي عند المشركين واليهود: كيف يعترف المعترف بنبوة موسى وكتب الأولين ثم ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ومصدرهما واحد وأهدافهما واحدة؟
المحاكمة الصارمة:
هذا التناقض ينسف مصداقية المنكر؛ لأن الدلائل المعجزة التي ثبتت بها نبوة موسى قد ثبت ما هو أعظم منها للنبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن حوى كمالات الكتب السابقة وزاد عليها بالهيمنة والخلود وحفظ الألفاظ والبركة التامة والمحيطة؛ فالإنكار بعد ذلك محض هوى وعناد وعصبية جاهلية لا تستند لعقل.
استعمال اسم الإشارة للقريب الحاضر بين أيديهم {وَهَٰذَا} يدل على قربه وسهولة تدبره ووضوح آياته؛ فلا عذر لمن أنكره وهو يتلى في نواديهم صباح مساء.
وصفه بـ {مُّبَارَكٌ} بصيغة المبالغة التامة؛ فبركته تسري في ألفاظه ومعانيه وأحكامه؛ فمن تمسك به بورك في عقله ووقته ورزقه وأمته.
الإشارة التدبرية: القرآن هو النبع المتدفق للبركة؛ فكلما اقتربت منه تلاوة وتدبراً وعملاً فاضت البركات على روحك وبيتك، وكلما ابتعدت عنه حلت الوحشة والمحقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استمداد البركة من تلاوة القرآن وتدبره: القرآن كتاب مبارك؛ فاجعل له في يومك نصيباً وافراً لتستنزل به البركات والسكينة على حياتك.
محاجة المنكرين بالاتساق المنهجي: على الداعية أن يبين للخصوم وحدة المصدر الإلهي بين الرسالات لإسقاط حجج الإنكار والتشكيك.
الاعتزاز بالكتاب الخاتم المهيمن: المسلم يمتلئ قلبه شكراً لله على نعمة إنزال هذا الذكر المبارك الذي هو أعظم معجزة مستمرة في الوجود.