تفسير الآية والاضطراب التكذيبي: تكشف هذه الآية الكريمة حيرة الكفار وتخبطهم وتناقض دعاويهم أمام إعجاز القرآن وسلطان النبوة؛ فهم ينتقلون من افتراء إلى افتراء لعدم استقرارهم على حجة. قال الإمام ابن جرير الطبري (ج 18، ص 414)مصدر غير محدد١٨/٤١٤: «يقول تعالى ذكره: ما اقتصر هؤلاء الظلمة من قريش في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به على أن قالوا: {هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}، بل قالوا: ما يأتينا به أضغاث أحلام، أي أخلاط رؤى رآها في نومه فظنها حقاً، ثم أضربوا عن ذلك فقالوا: بل اختلقه وافتراه من عند نفسه، ثم أضربوا عنه فقالوا: بل هو شاعر وما يأتينا به شعر! فليأتنا بآية معجزة نراها كمعجزات الأولين؛ كناقة صالح وعصا موسى وإحياء عيسى الموتى».
الآثار في تعنت قريش واقتراح الآيات: روى ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت نبياً فاجعل لنا الصفا ذهباً، ونحِّ عنا هذه الجبال لنزرع، وابعث لنا قصي بن كلاب نسأله عن أمرك! فنزلت هذه الآيات وآيات سورة الإسراء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
بل: حرف إضراب يفيد الانتقال من غرض إلى آخر، وهو هنا للإضراب الانتقالي الدال على تهافت أقوالهم واضطرابها.
أضغاث أحلام: الأضغاث جمع ضغث، وهو الحزمة من الحشيش المختلط فيه الرطب باليابس، والمراد بأضغاث الأحلام: الرؤى المشوشة المضطربة التي لا تأويل لها ولا حقيقة.
افتراه: اختلقه وابتدعه كذباً وافتياتاً من عند نفسه من غير أصل.
شاعر: ناظم الكلام المقفى الموزون القائم على التخييل والمبالغة، والشعر مأخوذ من الشعور والإحساس.
الإعراب التركيبي:
بَلْ: حرف إضراب انتقالي لا عمل له.
قَالُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ: خبر لمبتدأ محذوف وجوباً أو جوازاً تقديره: ما يأتينا به أضغاث أحلام، أو هو أضغاث، وهو مضاف، و(أحلام) مضاف إليه مجرور بالكسرة.
بَلِ افْتَرَاهُ: (بل) حرف إضراب، و(افتراه) فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر يعود عليه، والهاء مفعول به، والجملة إضراب عن التهمة الأولى.
فَلْيَأْتِنَا: الفاء فاء الفصيحة رابطة لجواب شرط مقدر؛ أي: إن كان صادقاً كما يزعم فليأتنا؛ واللام لام الأمر الجازمة، و(يأتنا) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل هو، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
بِآيَةٍ: جار ومجرور متعلق بـ (يأتنا).
كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ: الكاف حرف جر وتشبيه، و(ما) مصدرية، أو الكاف اسم بمعنى مثل؛ أي بآية مماثلة لإرسال الأولين؛ و(أرسل) فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، و(الأولون) نائب فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار حرف الإضراب (بل): تكررت (بل) ثلاث مرات في نسق متتابع: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}، لتصور الهزيمة النفسية والعقلية للمشركين؛ فإنهم حين بهتوا بسطوع القرآن لم يثبتوا على طعن واحد:
فجعلوه تارة حديث نائم هائم (أضغاث أحلام).
ثم أضربوا عنه مستدركين أن الرائي لا يعلم ما يقول، ومحمد على غاية الوعي والاتزان، فقالوا: بل تعمد الكذب واختلقه في يقظته (بل افتراه).
ثم أضربوا عنه لعلمهم أنه صادق أمين لم يعهدوا عليه كذبة قط في شؤون الدنيا فكيف يكذب على الله، فقالوا: بل هو خيال بياني مجنح (بل هو شاعر).
المعاندة بطلب الآيات الحسية: لما سقطت كل رماحهم البيانية، لجأوا إلى حيلة الهروب الكبرى بطلب خوارق حسية يقترحونها بأهوائهم كما جرى للأمم الغابرة، متجاهلين أن القرآن هو الآية العظمى المستمرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب المعجزات الحسية واقتراح الآيات:
تقرير الإشكال: لماذا لم يجبهم الله تعالى إلى ما طلبوا من تحويل الصفا ذهباً أو فتق الجبال ليكون دليلاً قاطعاً على نبوته كما أرسل الأولون؟
المحاكمة وتفنيد الشبهة:
سنة الله في الآيات المقترحة: جرت سنة الله المطردة في الأمم السابقة أن الآية إذا جاءت باقتراح من الكفار ثم كفروا بها، نزل بهم عذاب الاستئصال والفناء العاجل دون إمهال (كقوم صالح لما عقروا الناقة، وقوم فرعون، وعاد وثمود)، والله تعالى قضى برحمته ألا يستأصل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعذاب عام لعلمه أن في أصلابهم من سيعبد الله.
طبيعة المعجزة الخاتمة: الرسالة المحمدية رسالة خالدة عامة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة؛ والآية الحسية (كانفلاق البحر أو انقلاب العصا حية) تنتهي في حينها وتصير خبراً تاريخياً، أما القرآن الكريم فهو معجزة عقلية بيانية معنوية قائمة تشهد بها العقول في كل عصر وجيل.
تجريد طلبهم من الصدق: طلبهم لم يكن طلباً للهداية والاسترشاد، بل كان تعنتاً واستكباراً؛ والمعاند لو رأى الملائكة تتنزل عليه أو انشقت له الأرض لما آمن، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111].
الجمع بين تهم متنافرة عقلاً في جملة واحدة يعد من أبلغ أساليب تصوير سقوط الخصم؛ إذ كيف يجتمع كون الكلام هذيان نائم (أضغاث أحلام)، مع كونه تأليفاً متقناً محكماً من كذاب محترف (افتراه)، مع كونه بلاغة خيالية ذات وزن ونغم (شاعر)؟! هذا التناقض الصارخ شهادة اضطرارية على عظمة القرآن وعجزهم عن وصفه.
الإشارة التدبرية: هكذا أهل الباطل في كل زمان؛ حين تعييهم الحجة ويفلسون من البرهان، يرمون أهل الحق بتهم متناقضة متلاحقة لتشويش الرأي العام وصرف القلوب عن معاينة النور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات أمام حملات التشويه: على الداعية ألا ينزعج من تنوع الشائعات والافتراءات؛ فإن ذلك دليل على إرباك الخصوم وعجزهم أمام قوة المنهج.
عدم الانجرار وراء شروط الخصوم المعاندين: لا ينبغي للدعاة أن ينزلوا عند أهواء المعاندين في تحديد مسارات الإقناع، بل الواجب الاستمساك بالبرهان الأصيل والقرآن المبين.
عظمة القرآن وتفرده: تدبر القرآن يكشف أنه ليس من نسج الخيال ولا أوهام المنام، بل هو تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.