تفسير الآية وتوجيه الاتهام إلى خليل الرحمن: لما تساءلوا في غضب: من فعل هذا بآلهتنا؟ أجاب أولئك الذين سمعوا قسم إبراهيم وتوعده السابق: سمعنا شاباً حدث السن يعيب آلهتنا وينتقصها ويقسم ليكيدنها، يسمى في الناس إبراهيم؛ فهو صاحب المصلحة وصاحب الجرأة التي تقدم على هذا الفعل. قال ابن جرير الطبري (ج 18، ص 483)مصدر غير محدد١٨/٤٨٣: «يقول تعالى ذكره: قال الذين سمعوا قيل إبراهيم لأصنامهم: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم}: سمعنا شاباً يذكر أصنامنا بالسوء والعيب ويسفه عبادتنا إياها، يقال له في الناس إبراهيم؛ فظنوا أنه هو الذي كسرها لعلمهم بعداوته لها وتوعده إياها».
الآثار في معنى (فتى): قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: «الفتى: الشاب الحدث؛ وما بعث الله نبياً إلا شاباً، ولا أوتي عالم علماً إلا وهو شاب؛ وكان إبراهيم يوم كسر الأصنام فتى لم يجاوز سن الشباب وعنفوانه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي:
فتى: الشاب الممتلئ قوة وفتوة؛ ويطلق على الشاب في مقتبل العمر، وتنكيره هنا يحتمل التحقير من شأنه عند القوم، أو التعظيم لفتوته في الحق.
يذكرهم: الذكر هنا مستعمل في العيب والتنقص والتوعد بالسوء، كما مر في قوله: {أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ}.
يقال له إبراهيم: صيغة البناء للمجهول تشعر بعدم شهرته عندهم أو باستصغاره لكونه فرداً ضعيفاً لا عصبة له تحميه في هذا الموقف.
الإعراب التركيبي:
قَالُوا: فعل ماض وفاعله.
سَمِعْنَا: فعل ماض وفاعله.
فَتًى: مفعول به لـ (سمعنا) منصوب بالفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
يَذْكُرُهُمْ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل هو، وهم مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ (فتى) أو مفعول ثان لـ (سمعنا) المعلقة بالسماع.
يُقَالُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ (يقال).
إِبْرَاهِيمُ: نائب فاعل لـ (يقال) مرفوع بالضمة الظاهرة (ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة)؛ وجملة (يقال له إبراهيم) في محل نصب نعت ثان لـ (فتى)؛ وجملة (سمعنا...) مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز عظمة الفتوة الإيمانية في مواجهة طغيان الأمة: تبرز روعة النظم القرآني كيف استطاع (فتى) واحد أعزل أن يزلزل أركان ديانة وثنية ودولة عريضة؛ فالتنكير في {فَتًى} يصور للمتأمل عظمة هذا الشاب الموحد الذي وقف وحده في كفة وأمة الشرك كلها في كفة أخرى، محققاً وصف الله له في سورة النحل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120].
الاستهانة المصطنعة في {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}: عبروا عنه بـ (يقال له) كأنهم لا يعرفونه جيداً أو يستصغرون شأنه؛ إخفاءً لما أصاب قلوبهم من الرعب والدهشة من جرأته النادرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يكسر الأصنام رجل كهل ذو عصبة؟:
تقرير الحكمة في كون إبراهيم فتى:
اختيار سن الفتوة والشباب يحمل دلالات عقدية وتربوية بالغة؛ فالشباب مظنة القوة والإقدام والتضحية، وتأييد الله لإبراهيم في صغر سنه برهان على أن النصرة ليست بالكثرة ولا بالأعمار والأموال، بل بالإيمان واليقين؛ كما أن إبراءه وتحديه لدولة نمرود وهو فتى مجرد من النصير الدنيوي إعجاز إلهي باهر يثبت صدق رسالته وتأييد السماء له.
لفظ {فَتًى} في القرآن مدح عظيم للشباب المستمسك بالعقيدة؛ فالفتوة الحقيقية ليست بالعضلات والبطش والشهوات، بل بكسر الأصنام، والصدع بالحق، والتضحية في سبيل الله، كما قال في أهل الكهف: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].
الإشارة التدبرية: طوبى لشاب نشأ في عبادة الله وعاش فتى يحمل همَّ دينه وأمته؛ فإنه في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استثمار طاقات الشباب في نصرة الحق: الشباب هم عماد الدعوة وأمل الأمة؛ فالواجب توجيه طاقاتهم نحو العلم الشرعي والعمل الصالح والتضحية للدين.
لا تستصغر العمل الفردي المخلص: فتى واحد موحد صادق كسر أصنام بابل؛ فلا يحقرن المسلم جهده ولو كان وحده في بيئة فاسدة.
أثر الكلمة في إيقاظ الوعي: كلمة إبراهيم وقسمه السابق تناقلته الأسماع حتى صار سبباً في إقامة المحاكمة الكبرى للوثنية.