روى الإمام أحمد في مسنده (رقم 15615) من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية العز: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}".
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص194) بإسناده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}: رداً على اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين قالوا: اتخذ الله ولداً (عزير والمسيح والملائكة)، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ}: رداً على الثنوية والمجوس ومشركي قريش الذين قالوا في تلبيتهم: إلا شريكاً هو لك، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ}: لم يحالف أحداً من خلقه، ولم يتخذ ناصراً من ذل لحقه أو عجز نزل به؛ فإن الملوك يتخذون الأولياء والأعوان ليتعززوا بهم من الذل، والله غني عن كل أحد، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}: وعظمه تعظيماً تاماً بالتوحيد والقول والعمل.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص136): "هذه الآية الكريمة ردت على جميع أصناف المشركين؛ فنزهت الله عن الولد، وعن الشريك في الملك والخلق، وعن المعين والنصير؛ فإنه الغني بذاته الحميد في أفعاله وصفاته، ثم أمر بتكبيره وإجلاله؛ أي عظمه تعظيماً يليق بجلاله وسلطانه".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص348): "ختم الله السورة بالحمد والتكبير كما بدأها بالتسبيح؛ فجمعت السورة بين التنزيه عن النقائص (التسبيح)، وإثبات صفات الكمال والمحامد (التحميد)، وإعلان العظمة والكبرياء (التكبير)، فكانت من أجمع سور القرآن في التوحيد".
وجاء في تفسير السعدي (ص469): "هذا ختام عظيم لأعظم سورة؛ أمر بالحمد الذي هو الثناء بالجميل، ونفى النقائص الثلاث التي تعلق بها المشركون، وأمر بتكبيره؛ فالمؤمن يعيش ويكبر ربه، ويموت على توحيده وتعظيمه".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص348)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٤٨*جامع البيان* (ج15، ص194)جامع البيانالطبري١٥/١٩٤*تفسير السعدي* (ص469)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٩*مسنده* (رقم 15615)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٦١٥*تفسيره* (ج5، ص136)مصدر غير محدد٥/١٣٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية واللغوية:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الواو استئنافية، وقل فعل أمر فاعله مستتر، وحركت اللام بالكسر لالتقاء الساكنين، والحمد مبتدأ مرفوع بالضمة، ولله جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
{الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}: الذي اسم موصول في محل جر نعت للفظ الجلالة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، ويتخذ فعل مضارع مجزوم بالكون وفاعله مستتر، وولداً مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ}: الواو عاطفة، ولم حرف جزم، ويكن مضارع ناقص مجزوم، وله جار ومجرور خبر يكن مقدم، وشريك اسمها المؤخر مرفوع بالضمة.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ}: معطوفة على ما قبلها، وله خبر مقدم، وولي اسمها المؤخر، و{مِّنَ الذُّلِّ} جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لولي أو بمحذوف حال؛ و(مِن) هنا سببية أو ابتدائية؛ أي: لم يتخذ ناصراً بسبب ذل أو عجز لدفع هوان.
{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}: الواو عاطفة، وكبّر فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر والهاء مفعول به، و{تَكْبِيرًا} مفعول مطلق مؤكد للفعل منصوب بالفتحة الظاهرة لإفادة أقصى درجات التعظيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإعجاز المعماري الخارق في تناسب مطلع السورة وخاتمتها (رد العجز على الصدر):
بدأت السورة الكريمة بالتسبيح المطلق: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}؛ والتسبيح في لغة التوحيد هو "التخلية والتنزيه" عن كل نقص وعيب وشريك.
واختتمت السورة الكريمة بالتحميد والتكبير: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ... وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}؛ والتحميد هو "التحلية والإثبات" لكل صفات الكمال والجلال والمجد، والتكبير هو إعلان العظمة التي تصغر دونها كل الخلائق.
وبذلك انتظمت سورة الإسراء في عقد لاهوتي عقائدي باهر جمع أركان الباقيات الصالحات: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فكان ختامها مسكاً ونوراً يضيء الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك عقائد الشرك الثلاث في ميزان العقل والبرهان:
المحاكمة العقلية والمنطقية الجامعة المحيطة لمراتب التوحيد:
نفي اتخاذ الولد {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}:
الولد في منطق العقل لا يكون إلا من جنس والده، والله تعالى أحد صمد لا جنس له ولا ند ولا شبيه: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
الولد يحتاج إليه الوالد ليعينه في الكبر أو ليحفظ نسله من الفناء، والله أزلي أبدي، غني عن العالمين، فاستحال اتخاذ الولد عقلاً ونقلاً.
نفي الشريك في الملك {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ}:
وجود شريكين يملك كل منهما قدراً من التصرف والتدبير يؤدي بالضرورة العقلية إلى النزاع والتمانع وفساد النظام الكوني؛ فإذا أراد أحدهما حركة جسم وأراد الآخر سكونه فإما أن ينفذ مرادهما معاً وهو تناقض محال، أو لا ينفذ مراد واحد منهما وهو عجز محال، أو ينفذ مراد أحدهما دون الآخر فيكون النافذ مراده هو الإله وحده؛ فانتظام هذا الكون البديع بدقة متناهية شاهد قطعي على وحدة المدبر والملك سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}.
نفي الولي من الذل {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ}:
الملوك والرؤساء من البشر يتخذون الحلفاء والوزراء والجيوش لأنهم ضعفاء بمفردهم، فيحتاجون إلى من يدفع عنهم الذل والهزيمة، أما الله تعالى فهو القوي العزيز القاهر فوق عباده؛ وموالاة الله للمؤمنين وموالاتهم له ليست لدفع ذل عنه، بل هي إحسان ورحمة وتشريف لهم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.
حسن الختام وبراعة المقطع: إغلاق السورة بإعلان الحمد والتكبير يعطي شعوراً هائلاً بالامتلاء الروحي والظفر الإيماني وكمال البلاغ.
المفعول المطلق المؤكد {تَكْبِيرًا}: بعد فعل الأمر {وَكَبِّرْهُ} لبيان أن تكبير الله لا ينبغي أن يكون مجرد كلمة تجري على اللسان، بل هو استشعار لعظمته يملأ أقطار النفس ويفيض على كل مناحي الحياة.
النفي الثلاثي المتدرج: بدأ بنفي الولد (وهو أدنى علاقة ادعاها المشركون)، ثم الشريك في الملك (وهو أوسع)، ثم الولي من الذل (وهو أدق وأخفى).
الإشارة والتدبر: إذا كان ربك ليس له ولد ينازعه، ولا شريك يغالبه، ولا يحتاج إلى أحد يدفع عنه الذل، فلماذا تخاف غيره؟ ولماذا ترجو سواه؟ كبره في قلبك؛ فإذا استقر "الله أكبر" في قلبك، صغر كل ما دونه من جبابرة الأرض وأحزان الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ التوحيد الصافي النقي في دعوة الناس؛ فالدعوة تبدأ بالتوحيد وتنتهي بالتوحيد والحمد والتكبير.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على قول "الله أكبر" عقيدة وسلوكاً، فلا يستكبر المؤمن على أحد، ولا يذل أمام أحد، بل يستمد عزته من الله العزيز الذي لا ولي له من الذل.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن في ختام هذه السورة المباركة بعزة إيمانية شامخة، ويخر ساجداً حامداً مكبراً مسبحاً، شاعراً بالسكينة التامة والشرف العظيم بأنه عبد لله الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ملكه ولا ظهير.