الأدب القرآني الرفيع في الخطاب والتحذير من نزغات الشيطان ومكائده في إفساد ذات البين:
يأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوصي عباده المؤمنين باختيار الكلمات الطيبة والألفاظ الحسنة الرفيعة في مخاطباتهم؛ سواء مع إخوانهم المؤمنين أو في محاورة مخالفيهم من المشركين؛ فإن إطلاق اللسان بالكلمات الخشنة أو المهيجة للفتن يفتح ثغرة ينفذ منها الشيطان للتحريش والنزغ وإشعال نيران العداوة والخصومات؛ والشيطان مجبول على عداوة الإنسان عداوة ظاهرة معلنة منذ خلق آدم.
تفسير الطبري (14/ 509)مصدر غير محدد١٤/٥٠٩: يروي الطبري عن الحسن البصري وقتادة ومجاهد: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: أمر للمؤمنين أن يقولوا للناس حسناً، وألا يجبهوا المشركين بالسب والشتم في مكة قبل الإذن بالقتال حتى لا يستثيروا حميتهم فيسبوا الله ورسوله، وقيل: هو أمر عام في مخاطبة المؤمنين بعضهم لبعض باللين والرحمة، {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}: يفسد ويهيج الشر والعداوة والخصومات بينهم، {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}: ظاهر العداوة بين الكيد والخبث.
تفسير ابن كثير (5/ 61)مصدر غير محدد٥/٦١: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية أمر بالكلمة الطيبة وخفض الجناح؛ مستشهداً بالحديث الصحيح في مسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»، وبحديث: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»؛ فالشيطان يتربص بالكلمة العابرة ليضخمها ويثير بها الحروب والقطيعة.
القرطبي (10/ 312)مصدر غير محدد١٠/٣١٢: يذكر القرطبي أن نزغ الشيطان هو إفساده وتحريشه وإلقاء الوساوس المثيرة للغضب والأحقاد؛ وأن اختيار "التي هي أحسن" يشمل القول الحسن والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
النَّزْغ: الإفساد والوسوسة وإشعال الفتنة والخصومة؛ نَزَغَ بين القوم يَنْزَغُ نَزْغاً إذا أفسد وأغرى بعضهم ببعض، والنَّزْغة هي الحركة الخبيثة للشر.
مُبِينًا: ظاهر العداوة ومظهراً لها، من أَبَانَ الشيء إذا اتضح وظهر.
{مُّبِينًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول إلى تربية الجماعة المؤمنة في خضم الصراع الفكري: بعد أن عرضت الآيات السابقة شدة عناد المشركين واستهزاءهم وإنغاض رؤوسهم، جاء هذا التوجيه الإلهي للمؤمنين بألا ينساقوا وراء الاستفزاز، وألا يردوا على السفه بالسفه، بل يلزموا الكلمة التي هي أحسن حتى لا يفتحوا للشيطان باب التحريش.
إضافة العباد إلى ياء المتكلم {عِبَادِي}: إضافة تشريف وتكريم ورحمة وتحبيب؛ لتذكيرهم بمقام العبودية الذي يقتضي التحلي بمكارم الأخلاق ولين القول كما يرضي مولاهم.
التعليل المزدوج بـ {إِنَّ} في جملتين متتاليتين:
{إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}: كشف للعلة المباشرة الواقعة في النفوس.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}: تأصيل للعداوة الأزلية الكبرى؛ لتوجيه بوصلة الصراع إلى العدو الحقيقي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنازل عن العزة عند الأمر بالقول الأحسن للمعتدين:
قد يتوهم متهور أن اختيار "التي هي أحسن" ضعف ومسكنة وهوان في مواجهة الباطل!
التحرير التربوي والشرعي:
القول الأحسن ليس استسلاماً ولا مداهنة في الحق، بل هو قمة الحكمة والقوة النفسية؛ فالداعية الحكيم يميز بين قوة الحجة والبرهان وبين فجاجة اللسان والسب؛ والسباب والشتائم لا تقنع خصماً ولا تقيم حقاً، بل توقد نار العصبية الجاهلية وتصد عن سبيل الله؛ والقرآن الكريم علمنا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}؛ فالقوة في كظم الغيظ وسحق خطط الشيطان التحريشية.
صيغة التفضيل {أَحْسَنُ} بدلاً من "الحسنة": أمر باختيار الأرقى والأعلى دائماً؛ فإذا كان أمام المتكلم كلام حسن وكلام أحسن منه، فالواجب الشرعي اختيار "الأحسن" لقطع كل مداخل الريبة وسوء التفسير.
إسناد النزغ للشيطان {يَنزَغُ} بصيغة المضارع الدالة على التجدد: إشعار بأن الشيطان لا يهدأ ولا يكل في مراقبة الكلمات والهمسات ليوقع بين الإخوة والشركاء والأزواج، فينبغي الحذر الدائم.
الإشارة والتدبر: الكلمة سهم نافذ؛ فكم من كلمة طائشة أشعلت حرباً وقطعت رحماً وأفسدت بيتاً، وكم من كلمة طيبة أحيت قلباً وألفت بين قلوب متنافرة؛ فزن كلامك قبل أن تنطق به، واعلم أن الشيطان متربص بكل حرف يخرج من فيك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
التوجيه الدعوي: ضبط الخطاب الدعوي والإعلامي بالرصانة والهدوء؛ والحذر من الانجرار إلى المعارك الكلامية التافهة التي تغذي الفرقة وتخدم مشاريع الشيطان في تمزيق الصفوف.
التوجيه التربوي: تدريب الأبناء وأفراد المجتمع على فقه التخاطب واختيار أرقى المفردات في الحوار الأسري والمجتمعي، ومحاربة الألفاظ البذيئة والجافة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن سكينة ولطفاً، ويستحضر شرف الانتساب لعبودية الله {عِبَادِي}، فيحفظ لسانه ويصون مجتمعه من نزغات الشياطين.