الإنكار الصارم على الغفلة والأمن من مكر الله وقدرته في البر كالقدرة في البحر:
يوبخ الحق سبحانه وتعالى هؤلاء المعرضين بعد نجاتهم إلى البر؛ مستنكراً أمنهم الموهوم؛ أفأمنتم حين وطئت أقدامكم اليابسة ونجوتم من لجاج البحر أن يغضب الله عليكم فيأمر الأرض بأن تنشق وتبتلعكم خسفاً في جانب البر كما فعل بقارون؟! أو أن يرسل عليكم من السماء ريحاً عاصفاً ترميكم بالحجارة الصماء (حاصباً) فتهلككم كما أهلك قوم لوط وأصحاب الفيل؟! ثم لا تجدون أحداً يمنعكم من بأس الله أو يحفظكم من سطوته؛ فإن رب البحر هو بعينه رب البر وقدرته نافذة في كل مكان.
تفسير الطبري (14/ 546)مصدر غير محدد١٤/٥٤٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ}: أي يبتلعكم البر كما ابتلع قارون وداره، أفتظنون أن قدرة الله مقصورة على البحر دون البر؟! {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}: ريحاً ترميكم بالحصباء وهي صغار الحجارة، كما أرسلها على قوم لوط، {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}: حفيظاً يمنعكم من عذاب الله ولا ناصراً ينقذكم من بأسه.
تفسير ابن كثير (5/ 71)مصدر غير محدد٥/٧١: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية تحذير شديد من الأمن من مكر الله؛ فالذي يملك إغراقكم في البحر هو القادر على خسف البر بكم أو إنزال العذاب من السماء؛ فالأمان المادي على الأرض وهم وسراب إذا نزل غضب الجبار سبحانه؛ كقوله تعالى في سورة الملك: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}.
القرطبي (10/ 338)مصدر غير محدد١٠/٣٣٨: يذكر القرطبي أن الحاصب هو الريح الشديدة التي تقلع الحصباء وترمي بها؛ وأن الأمن من مكر الله من أعظم الكبائر المردية؛ والواجب على المؤمن أن يظل خائفاً وجلاً من سطوة ربه في كل موطن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الخَسْف: انشقاق الأرض وغور ما عليها في باطنها، خَسَفَ المكانُ يَخْسِفُ خُسُوفاً وخَسْفاً.
الحَاصِب: الريح العاصفة المحملة بالحصباء (الحجارة الصغيرة)، يقال: حَصَبَتْهُم الريح إذا رمتهم بالحجارة؛ والحاصب أيضاً السحاب الذي يمطر البرد والحجارة.
{يُرْسِلَ}: معطوف على {يَخْسِفَ} منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر هو.
{عَلَيْكُمْ}: متعلق بـ {يُرْسِلَ}.
{حَاصِبًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب.
{لَا}: نافية.
{تَجِدُوا}: معطوف منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
{لَكُمْ}: متعلق بمحذوف حال من وكيلاً.
{وَكِيلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
محاصرة أوهام الأمان المادي: لما هرب المشركون بظنونهم إلى البر متوهمين أن اليابسة ملاذ آمن يمنعهم من سلطان الله، حاصرهم السياق بنوعين من العذاب في صميم البر:
عذاب يأتيهم من أسفل: خسف الأرض وابتلاع اليابسة لهم: {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ}.
عذاب يأتيهم من أعلى: ريح عاصفة تقذفهم بالحجارة من السماء: {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}.
فأحاطهم بالعذاب من تحت أرجلهم ومن فوق رؤوسهم لإسقاط وهم المنعة البرية.
تخصيص {جَانِبَ الْبَرِّ}: لطيفة بيانية دقيقة؛ فالجانب هو طرف البر المتصل بالبحر حيث يلجأ ركاب السفن؛ فكأنه يقول لهم: بمجرد أن تطأ أقدامكم شاطئ البر وطرفه قادر على خسف ذلك الجانب بكم؛ فلستم في أمان لحظة واحدة.
الترتيب بـ {ثُمَّ}: لإفادة التراخي الرتبي وعظم الخيبة؛ فإذا وقع العذاب انقطعت كل الحيل والوكالات وتبين الإفلاس التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الأمان الأرضي ونسيان الكوارث الطبيعية:
يعيش الإنسان المعاصر في المدن الحديثة شعوراً بالأمان المادي المطلق نتيجة التطور المعماري والتكنولوجي!
المحاكمة العقلية والواقعية:
الأرض التي نقف عليها ليست صخرة صلبة أبدية، بل هي قشرة رقيقة تسبح فوق حمم بركانية وصفائح تكتونية مضطربة؛ وبلمحة واحدة وزلزال في ثوانٍ معدودات يخسف بالمدن الشاهقة وتتحول ناطحات السحاب إلى ركام يدفن تحته الآلاف؛ والأعاصير والعواصف الرملية والحاصبة تسحق مظاهر التقنية سحقاً؛ فالأمان الحقيقي إنما هو في كنف حفظ الله ورعايته، أما الركون إلى الأسباب المادية مع التمرد على الله فهو غباء واستدراج مدمر.
التنكير في {حَاصِبًا} و{وَكِيلًا}: للتهويل والعموم؛ حاصباً هائلاً لا قِبل لكم برده، ووكيلاً أياً كان فلن ينقذكم أحد.
الإشارة والتدبر: لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون؛ فكن على حذر دائم؛ فإن الله يمهل ولا يهمل؛ ولا تغتر بصحتك ومالك وسكون دارك، واجعل لسانك رطباً بطلب العافية والستر من رب البر والبحر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: كسر حالة التبلد النفسي عند المترفين والمعرضين بالتحذير من المفاجآت القدرية والسنن الإلهية في الأمم الغابرة.
التوجيه التربوي: تعويد النفس على الخوف الإيجابي الذي يثمر الاستقامة والورع؛ ومحاربة داء "الأمن من مكر الله" و"الغرور بالأسباب".
الأثر الوجداني: يرتجف وجدان المؤمن هيبة وخشية، ويسأل الله دائماً: "اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك".