يقرن الله تبارك وتعالى بشارة المؤمنين بإنذار الكافرين الجاحدين بالمعاد والبعث والجزاء؛ مبيناً أنه أعد وهيأ لهم في دار الخلود عذاباً موجعاً لا يطاق جزاء كفرهم وإعراضهم عن هداية القرآن.
تفسير الطبري (14/ 412)مصدر غير محدد١٤/٤١٢: يقول أبو جعفر: يخبر تعالى أنه كما يبشر المؤمنين بالأجر الكبير، فإنه ينذر ويعلم الذين لا يصدقون بالقيامة ولا يقرون بالثواب والعقاب، بأن الله أعد وهيأ لهم عذاباً مؤلماً موجعاً في نار جهنم، لإيثارهم الدنيا وتكذيبهم بآيات الله.
تفسير ابن كثير (5/ 30)مصدر غير محدد٥/٣٠: يوضح ابن كثير أن الجمع بين البشارة والنذارة هو المنهج القرآني المطرد في تثبيت القلوب؛ ليجتمع في نفس العبد الخوف والرجاء؛ فيبشر أهل الإيمان والعمل الصالح بالجنة، وينذر أهل الكفر والتكذيب بالنار.
القرطبي (10/ 231)مصدر غير محدد١٠/٢٣١: يذكر القرطبي أن {أَعْتَدْنَا} مأخوذ من العَتاد، وهو إعداد الشيء وتهيئته مسبقاً قبل الحاجة إليه، فالعذاب مهيأ لهم ومعد لا محالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أَعْتَدْنَا: هيأنا وأحضرنا وأعددنا، مأخوذ من العَتاد وهو ما يعده المرء للحرب والأمر الجلل، والهمزة للتعدية.
الواو عاطفة، {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري معطوف على {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} في الآية السابقة؛ أي: ويبشر المؤمنين بكذا، وينذر أو يخبر بأن للذين لا يؤمنون كذا.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم {أَنَّ}.
{لَا يُؤْمِنُونَ}: {لا} نافية، والفعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِالْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُؤْمِنُونَ}.
إعراب {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}:
{أَعْتَدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل فاعل.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَعْتَدْنَا}.
{عَذَابًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَلِيمًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة {أَعْتَدْنَا} في محل رفع خبر {أَنَّ}، والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول السابق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وهناك: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} يقابله هنا: {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.
فجاءت المقابلة البلاغية لتكتمل ثنائية الترغيب والترهيب، التي تضبط سلوك البشر بين الطمع في رحمة الله والخوف من سخطه.
تخصيص عدم الإيمان بالآخرة بالذكر: لأن إنكار الآخرة هو الأصل لكل طغيان واستهانة بالحقوق؛ فالذي لا يرجو حساباً ولا يخاف عقاباً يستبيح المظالم ويستمرئ الفجور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدل الجزاء وتخليد العذاب على كفر محدود في الزمان:
قد يثير ملحد سؤالاً: كيف يعاقب الله الكافر بعذاب أليم دائم في الآخرة على كفر لم يستغرق في الدنيا إلا سنوات معدودة؟
البرهان العقلي والعدل الإلهي: الجزاء يدور مع النية والعزم الباطني واستقرار الإرادة؛ فالكافر لو خُلِّد في الدنيا ملايين السنين لظل على كفره وعناده كما نص القرآن: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، فنيته في الكفر مؤبدة فاستحق عذاباً مؤبداً؛ كما أن المؤمن لو عاش أبداً لظل على إيمانه فاستحق نعيماً مؤبداً. أضف إلى ذلك أن الجريمة تعظم بعظمة من وقعت في حقه، والكفر جحود بالخالق العظيم المنعم بالوجود والحياة، فاستحق أقصى درجات النكال.
صيغة الماضي في {أَعْتَدْنَا}: لتحقيق الوقوع وتقريبه؛ فالعذاب كأنه حاضر مهيأ ينتظر قدومهم ولا يحتاج إلى إنشائه من جديد.
التنكير في {عَذَابًا أَلِيمًا}: للتهويل والتفظيع؛ ليدل على خروجه عن حدود الوصف والتصور البشري في الشدة والألم.
الإشارة والتدبر: الإيمان باليوم الآخر هو قطب رحى الأخلاق والاستقامة؛ فبقدر يقين العبد بالوقوف بين يدي الله تستقيم جوارحه ويصلح باطنه وظاهره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الموازنة في الخطاب الدعوي بين التبشير والإنذار؛ فلا يُغلب جانب الرجاء حتى يورث الأمن من مكر الله، ولا جانب الخوف حتى يورث القنوط من رحمة الله.
التوجيه التربوي: غرس تعظيم الدار الآخرة في نفوس الناشئة؛ فإن استحضار الحساب يردع عن المعاصي الخفية والظالمة.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المسلم خوفاً من وعيد الله، ويلوذ بجنابه مستعيذاً من النار، سائلاً الثبات على الإيمان إلى يوم يلقاه.