تعنت مشركي قريش واقتراحهم تفجير الينابيع في أرض مكة شرطاً تعجيزياً للإيمان:
يسجل القرآن الكريم مطالبات مشركي مكة التعنتية السخيفة التي تنضح بالعناد والمادية والجهل؛ حين اجتمع كبراؤهم (عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، والنضر بن الحارث) عند الكعبة فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا في تبجح: يا محمد، لقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماءً ولا أشد عيشاً منا؛ فلن نؤمن لك ولن نصدق بنبوتك حتى تفجر لنا من صخور مكة وجبالها عيناً ينبوعاً ثجاجاً تجري بالأنهار والأشجار؛ كأنهار الشام والعراق!
تفسير الطبري (14/ 600)مصدر غير محدد١٤/٦٠٠: يروي الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآيات قال: «اجتمع عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، في رجال من قريش عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس، فقالوا: ابعثوا إلى محمد فكلموه حتى تعذروا فيه... فلما جاءهم قالوا له: يا محمد، إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك، وإن كنت تطلب به ملكاً ملكناك... وإن أبيت فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً، ولا أقل ماءً، ولا أشد عيشاً منا؛ فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به؛ فليُسَيِّرْ عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق... فإن فعلت صدقناك! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا بِهَذَا بُعِثْتُ، إِنَّمَا بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَاباً، فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ فَأَصْبِرُ لأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ... فأنزل الله فيهم: {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا}».
تفسير ابن كثير (5/ 85)مصدر غير محدد٥/٨٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا الطلب لم يكن طلباً للهداية، بل كان تعنتاً واستكباراً ومساومة مادية؛ كأنهم يجعلون النبوة وسيلة لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والتنموية الدنيوية؛ وتلك عقلية مادية عمياء لا تفقه معنى الرسالة الروحية والتكليف الأخروي.
القرطبي (10/ 379)مصدر غير محدد١٠/٣٧٩: يذكر القرطبي القراءات في {تَفْجُرَ} بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم خفيفاً (قراءة الجمهور)، وقرأ عاصم في رواية وأهل الكوفة {تُفَجِّرَ} بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة للمبالغة والكثرة؛ والينبوع هو عين الماء التي تنبع ولا ينقطع ماؤها، وهو يفعول من نَبَعَ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التَّفْجِير: الشق والإجراء للماء بقوة وسعة؛ فجر الماء إذا شق الأرض وأجراه.
اليَنْبُوع: عين الماء الجارية التي لا ينضب ماؤها، على وزن يَفْعُول من نَبَعَ الماء يَنْبُعُ نَبْعاً ونُبُوعاً إذا خرج من الأرض.
إعراب {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}:
الواو استئنافية، {قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{تَفْجُرَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر أنت، والمصدر المؤول في محل جر بحتى متعلق بـ {نُّؤْمِنَ}.
{لَنَا}: متعلق بـ {تَفْجُرَ}.
{مِنَ الْأَرْضِ}: متعلق بـ {تَفْجُرَ} أو بمحذوف حال من ينبوعاً.
{يَنبُوعًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البداية بسلسلة المطالب التعجيزية الستة: افتتحت هذه الآية قائمة من ستة اقتراحات تعنتية اقترحها كفار قريش (تفجير ينبوع، بساتين نخيل وعنب، إسقاط السماء كسفاً، الإتيان بالله والملائكة قبيلاً، بيت من زخرف، الرقي في السماء بكتاب)؛ ليفضح القرآن عقليتهم الصبيانية التي تحول الدين إلى مسرح خوارق.
تخصيص "الينبوع والماء" كأول مطلب: لأن مكة وادٍ غير ذي زرع شديد الجدب والحرارة؛ فبدأوا بما تشتهيه بطونهم وتتطلبه مصالحهم الدنيوية والمادية؛ مما يثبت أن تفكيرهم كان محصوراً في المادة وتحسين شروط العيش لا في نجاة الروح.
التحدي بـ {لَن نُّؤْمِنَ}: صيغة تأبيد تفيد التحدي الوقح؛ فلن نؤمن مهما أتيت من القرآن حتى تنفذ هذه الشروط المستحيلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يفجر النبي صلى الله عليه وسلم لهم الينبوع ليؤمنوا؟:
ألم يكن تفجير ينبوع ماء يسيراً على قدرة الله ليدخل أهل مكة في الإسلام؟!
المحاكمة العقلية والسننية:
كذب دعوى الإيمان بالخوارق: التاريخ والواقع يشهد بأن المعاند لا يؤمن بالمعجزة؛ فقوم ثمود رأوا الناقة تخرج من الصخرة فعقروها وكفروا؛ وقريش نفسها رأت انشقاق القمر عياناً فقالوا: "سحر مستمر"؛ فلو فجر لهم ينبوعاً لقالوا: سحر أعيننا واستخرج عيون الماء بالسحر والكهانة!
وظيفة الرسالة الإلهية: النبي ليس مشعوذاً ولا مقاول تنمية وبناء أنهار، بل هو نبي يحمل شريعة لتزكية الأرواح وبناء الإنسان؛ فلو استجيبت هذه المطالب لتحول الإيمان إلى خضوع للمصلحة المادية المباشرة، وسقطت قيمة الابتلاء وحرية الإرادة الإيمانية التي يقوم عليها التكليف.
التنكير في {يَنبُوعًا}: يفيد التعظيم والوفرة؛ أي ينبوعاً متدفقاً هائلاً لا ينقطع ماؤه ليحول مكة إلى واحة غناء.
تقديم {لَنَا} على المفعول: لإبراز أنانيتهم ومصالحهم الخاصة؛ فالمطلوب ليس مجرد آية، بل منفعة خاصة يتمتعون بها في دنياهم.
الإشارة والتدبر: احذر من "التدين النفعي والمصلحي"؛ أن تعبد الله بشرط أن يعطيك المال، أو الوظيفة، أو الزواج؛ فإن أعطاك رضيت وإن منعك سخطت: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات الداعية على المنهج وعدم الرضوخ لشروط الجماهير النفعية أو المساومة على طبيعة الرسالة؛ فالإسلام دين توحيد وآخرة لا دين توزيع مكاسب دنيوية.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على الإيمان بالغيب والانقياد لبرهان الوحي؛ ومحاربة النزعة المادية الحسية التي ترفض التصديق إلا بالرؤية المادية.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن يقيناً بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته، حامداً الله على نعمة البصيرة التي رأت إعجاز القرآن ولم تحتج إلى خوارق مادية لتؤمن بالحق.