الاستناد إلى شهادة الله القاطعة وتفويض الأمر إليه:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص154) بإسناده عن مجاهد وقتادة في تأويل الآية: يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات تعنتاً وتكذيباً: حسبكم وحسبي بالله شاهداً على صدقي فيما جئتكم به من عنده، وشاهداً على تكذيبكم وعنادكم وبراءتي من دعواكم، فإنه سبحانه هو الخبير بضمائركم وسرائركم، البصير بظواهر أفعالكم وأحوالكم، لا يخفى عليه خافية.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص120): "أي: الله يعلم ما جئتكم به، ويعلم ما تسألون عنه من الآيات تعنتاً، ولو علم أنكم تسترشدون لأجابكم إلى ما سألتم، ولكنه يعلم أنكم لا تؤمنون كما قال: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}، وهو شهيد بيني وبينكم، يعلم صدقي وأني بلغتكم رسالته، وسيجازي كل عامل بعمله".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص331): أن هذا انقطاع للمحاجة بعد استيفاء الحجج العقلية والكونية؛ لأن الاسترسال في مجاراة المعاندين العابثين لا نهاية له، فكان تفويض الأمر إلى حكم الله العليم الخبير فصلاً في الخصومة ووعيداً صارماً لهم.
أشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص466): "أي: إذا تعنتوا ولم يلتفتوا إلى الآيات الباهرة، فقل لهم: حسبي الله شهيداً؛ فإن شهادته كافية، تنصر الصادق وتخزي الكاذب، وهو خبير بما في القلوب من الإخلاص أو العناد، بصير بأعمال العباد وسيجازيهم عليها بأعدل الجزاء".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص331)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣١*تيسير الكريم الرحمن* (ص466)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٦*جامع البيان* (ج15، ص154)جامع البيانالطبري١٥/١٥٤*تفسيره* (ج5، ص120)مصدر غير محدد٥/١٢٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والدلالية:
{كَفَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، يتضمن معنى الاكتفاء والاستغناء بالله عن كل ناصر ومعين وشاهد.
{بِاللَّهِ}: الباء حرف جر زائد لإفادة توكيد الفاعلية وتقريرها في الأذهان، ولفظ الجلالة مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل {كَفَىٰ}.
{شَهِيدًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة (وقيل حال مؤكدة)، وشهيد صيغة مبالغة على وزن فعيل، تدل على الإحاطة التامة والشهادة التي لا تحتمل ريباً.
{بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}: ظرف مكان متعلق بـ {شَهِيدًا}، وأضيف إلى ياء المتكلم وكاف المخاطبين ليعم الخصمين.
{إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}: إن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن؛ {خَبِيرًا} خبر كان أول متعلق بالبواطن والسرائر، و{بَصِيرًا} خبر ثان متعلق بالظواهر والأعيان، وتقديم الجار والمجرور {بِعِبَادِهِ} للاهتمام والحصر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار البياني للسورة:
جاءت الآية خاتمة فاصلة لسلسلة المقترحات التعجيزية التي سردها المشركون في الآيات السابقة (تفجير الأرض، جنات النخيل، إسقاط السماء، الرقي في السماء)، وردت عليها الآيات بتقرير بشرية الرسول وكمال التوحيد.
انتقال حكيم من أسلوب "المحاجة الاستدلالية" إلى أسلوب "الفصل القضائي والتفويض الإلهي"؛ إذ إن الداعية إذا بذل وسعه وأقام الدلائل القاطعة وقابل العناد بالتسليم، لم يبق أمامه إلا أن يعلن اعتصامه بالشهادة الإلهية العليا.
التناسب مع ما بعدها: لما قرر شهادة الله وخبرته بعباده، بيّن في الآية التالية مصير المهتدين والضالين وفق علمه تعالى وحكمته: {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة: كيف يُكتفى بالشهادة الإلهية في مواجهة منكرين لا يؤمنون بصدق الرسول؟:
المحاكمة العقلية الاستدلالية:
شهادة الله للرسول صلى الله عليه وسلم ليست مجرد إخبار غيبي مجهول، بل هي شهادة عيانية مشهودة تجلت في:
المعجزة العقلية الخالدة (القرآن العظيم) الذي عجز الفصحاء والبلغاء عن معارضة أقصر سورة منه.
تأييد الله لرسوله بالحفظ والنصر والتمكين وإظهار دينه، مع كثرة الأعداء وتربصهم، وسنة الله قاطعة بأنه لا يقر كاذباً يفتري عليه النبوة ويستمر في التمكين.
إعلان الشهادة في هذا المقام هو تهديد وتحذير عقلي؛ لأن الخبير البصير لا يترك العباد هملاً، بل سيعاقب المبطل وينصر المحق؛ فإذا كان المشركون يزعمون الإيمان بوجود الله وخلقه للكون (كما في قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ})، فإن الاستشهاد به يلزمهم عقلياً بالخوف من بطشه إن كانوا كاذبين.
الإيجاز بالحذف والتذييل: في قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، يفيد التعليل والتهديد في آن واحد.
التقديم والتأخير: تقديم الجار والمجرور {بِعِبَادِهِ} على الوصفين {خَبِيرًا بَصِيرًا} لاختصاص هذا العلم بالعباد المكلفين، وإشعارهم بأن كل حركة وسكنة مرصودة بالعدل.
الاستغناء بالله: تجلت عزة النبوة في عدم التذلل للمشركين أو التكلف لإرضاء أهوائهم، بل الاكتفاء التام بنصرة الله وشهادته.
الإشارة والتدبر: إذا كان الله شاهداً بينك وبين خصومك، فلماذا تبتئس؟ شهادة الله كافية لرد كل شبهة، ومطمئنة لكل قلب صادق؛ فالمؤمن يستغني بشهادة ربه عن تصفيق المصفقين ورضا المعاندين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يتعلم أدب المناظرة؛ فإذا رأى من المخاطب تعنتاً واستكباراً ومراءً لا يبتغي الحق، فعليه أن ينهي الجدال بالحسنى مفوضاً أمره إلى الله، محذراً من مغبة الاستمرار في الباطل دون أن يتورط في الخصومات الشخصية.
التوجيه التربوي: غرس استشعار معية الله واطلاعه التام في نفوس الناشئة، فالله خبير بما تخفي الصدور، بصير بما تعمل الجوارح؛ وهذا يربي الضمير الإيماني الحي.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن بالطمأنينة والسكينة واليقين؛ فحين يجحده أهل الأرض، يلوذ إلى شهادة رب السماء والأرض، واثقاً بأن العاقبة للحق وأهله.