بيان كمال البيان القرآني وإعراض المعاندين واستكبارهم:
يخبر الله جل جلاله أنه نوّع وكرر وصرف في هذا القرآن العظيم من فنون البينات، والمواعظ، والأمثال، والحجج العقلية، والوعد، والوعيد، وقصص الغابرين؛ ليتذكر العباد ويتعظوا ويرجعوا إلى الحق؛ ولكن أهل العناد والشقاق لم تزدهم تلك الحجج الباهرة إلا نفوراً وإعراضاً وعتواً عن الهدى، بسبب ما ران على قلوبهم من الكبر والحسد.
تفسير الطبري (14/ 480)مصدر غير محدد١٤/٤٨٠: يروي ابن جرير عن قتادة: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ}: صرف الله فيه من الوعيد والعبر والآيات، {لِيَذَّكَّرُوا}: ليتعظوا ويفقهوا ويعلموا ما عليهم وما لهم، {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}: أي ما زاد الكفار هذا التصريف والتبيين إلا تباعداً عن الحق وهرباً منه؛ كالبهيمة تنفر من صوت راعيها.
تفسير ابن كثير (5/ 55)مصدر غير محدد٥/٥٥: يوضح ابن كثير أن "التصريف" هو ترديد الحجج وتكرار العبر من وجوه متعددة؛ قطعا للمعذرة وإقامة للحجة؛ ولكن القلوب القاسية المطبوعة بالخذلان لا تنتفع بالنور، بل تهرب من الضياء كما يهرب الخفاش.
القرطبي (10/ 293)مصدر غير محدد١٠/٢٩٣: يذكر القرطبي أن النفور هو التباعد عن الشيء استكباراً وكراهية؛ وأن سبب النفور ليس عيباً في القرآن ونظمه، وإنما هو خسة في طباع المعاندين وفساد فطرتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التصريف: تقليب الشيء من حال إلى حال ومن وجه إلى وجه؛ وتصريف الآيات: تنويعها وترديدها بأساليب مختلفة من أمثال ووعد ووعيد وحجج وترغيب وترهيب.
النُّفُور: التباعد والفرار كراهية واستيحاشاً، من نَفَرَت الدابة إذا جزعت وتباعدت.
الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، {قَدْ}: حرف تحقيق.
{صَرَّفْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و{نَا} فاعل.
{فِي هَٰذَا}: جار ومجرور متعلق بـ {صَرَّفْنَا}، و{الْقُرْآنِ}: بدل من اسم الإشارة مجرور بالكسرة الظاهرة.
ومفعول {صَرَّفْنَا} محذوف تقديره: الآيات أو المواعظ أو الحجج؛ وحذف لدلالة السياق والعموم.
اللام لام التعليل، {يَذَّكَّرُوا}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، وأصله (يتذكروا) فأدغمت التاء في الذال.
إعراب {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}:
الواو حالية، {مَا}: نافية.
{يَزِيدُهُمْ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو (أي القرآن أو التصريف)، والهاء مفعول به أول.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{نُفُورًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بإنكار مقالة المشركين السابقة: لما قرعهم الله على فرية اتخاذ البنات والملائكة، بيّن هنا أن هذا القرآن لم يترك وجهاً من وجوه الحجة والبيان إلا وضحه وصرفه؛ فليس ضلالهم لنقص في الدليل، وإنما لعتو واستكبار في نفوسهم.
المقابلة البديعة بين الغاية المشروعة والنتيجة الواقعة:
الغاية المشروعة من التنزيل والتصريف: {لِيَذَّكَّرُوا}.
النتيجة الواقعة من المعاندين: {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}.
فأبرز هذا التقابل سوء اختيارهم وفساد استعدادهم لتلقي الهدى.
التمهيد لمناظرة العقول في الوحدانية: هذا التبيين القرآني المعجز يمهد للبرهان المنطقي القاطع في الآية التالية: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إسناد زيادة النفور إلى القرآن الكريم:
كيف يكون القرآن هدى وشفاء ثم يقال {وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}؟!
التحرير العقلي والبياني الصارم:
القرآن في ذاته هدى ونور وشفاء، وتصريف الآيات سبب تام للتذكر والاهتداء؛ ولكن المحل القابل إذا كان خبيثاً فاسداً انقلب أثر النعمة عليه ضرراً؛ كالمطر النازل من السماء العذب الطاهر ينبت الأزهار في الأرض الطيبة وينبت الشوك والعفن في السبخة الخبيثة؛ أو كالشمس تزيد الطيب طيباً وتزيد الجيفة نتناً؛ فالعلة في نفوسهم القاسية وعنادهم لا في القرآن العظيم؛ قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}.
إيثار الفعل المضعف {صَرَّفْنَا}: يدل على الكثرة والمبالغة في تنويع الأساليب، وضرب الأمثال، وتكرار المواعظ بشتى الطرق التي تأخذ بمجامع القلوب.
أسلوب الحصر بـ {مَا... إِلَّا}: لإفادة قصر حالهم على النفور الشديد؛ كأنهم لا حظ لهم من القرآن سوى الهروب والاستيحاش.
الإشارة والتدبر: إذا قرأت القرآن وشعرت بانقباض أو ثقل في الامتثال، فاتهم قلبك ولا تتهم النص؛ فإن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها ذكر الله والانطراح بين يديه لفتح أقفالها: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الاقتداء بالمنهج القرآني في تنويع أساليب الدعوة ووسائل الإيضاح؛ فالمربي والداعية ينبغي ألا يقتصر على أسلوب واحد، بل يصرف الخطاب بين الترغيب والترهيب، وضرب الأمثال، والأدلة العقلية.
التوجيه التربوي: تسلية الداعية عند إعراض المدعوين؛ فإذا كان القرآن المعجز قد قوبل من المعاندين بالنفور، فلا ييأس الداعية إذا رأى صدوداً من بعض الناس.
الأثر الوجداني: يلهج لسان المؤمن بحمد الله على نعمة انشراح الصدر للقرآن والتذكر بآياته، مستعيذاً بالله من قسوة القلب ونفور الجوارح عن استماع الحق.