قانون البصمة النفسية والسلوكية وتطابق الأعمال مع الطبائع والسرائر وحكم الله العليم بالأهدى سبيلاً:
يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس جميعاً: كل إنسان وفريق منكم يعمل وينفق ويتصرف وفق طريقته، وطبيعته، وجبلته، ومذهبه، وحاله الذي استقر عليه؛ فالمؤمن يعمل على شاكلة الهدى والتقوى والرحمة، والكافر والمنافق يعمل على شاكلة الجحود والضلال والكبر؛ وربكم وخالقكم هو وحده الأعلم بحقائق السرائر والنفوس، وهو الذي يميز من كان على الصراط الأهدى والأقوم سبيلاً فيجازي كلاً بعمله.
تفسير الطبري (14/ 586)مصدر غير محدد١٤/٥٨٦: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وابن زيد: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}: قال ابن عباس ومجاهد: «على ناحيته وطريقته»، وقال قتادة: «على نيته ومذهبه»، وقال ابن زيد: «على جبلته وطبيعته ودينه»، {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَن هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا}: أعلم بالمهتدي والضال، وسيفصل بينكم ويجزي كل عامل بما وافق الحق وشريعته.
تفسير ابن كثير (5/ 82)مصدر غير محدد٥/٨٢: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية تهديد ووعيد للمشركين؛ كقوله تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}؛ أي كلٌّ يتصرف بحسب ما انطوت عليه سريرته وطبعه ومذهبه، والله هو الحاكم العليم بالأهدى.
القرطبي (10/ 368)مصدر غير محدد١٠/٣٦٨: يذكر القرطبي أن الشاكلة مشتقة من الشَّكْل وهو الشَّبَه والمثال؛ أو من الشِّكَال وهو القيد؛ لأن طبع الإنسان يقيده بطريقة معينة في التصرف؛ وأن الله تعالى هو الحكم العدل في تمييز سبيل الهدى من سبيل الردى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الشَّاكِلَة: الطريقة، والمذهب، والناحية، والطبيعة والسجية التي تقيد صاحبها؛ مأخوذة من الشِّكَال وهو الحبل الذي يقيد به البعير، أو من الشَّكْل وهو الشبه والوفاق.
أَهْدَىٰ سَبِيلًا: اسم تفضيل من الهداية؛ أي أشد استقامة وسداداً ووصولاً إلى رضوان الله وجنته.
إعراب {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر أنت.
{كُلٌّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة ونوّن تنوين عوض عن مضاف إليه محذوف (أي: كل إنسان).
{يَعْمَلُ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {كُلٌّ}، وجملة المبتدأ والخبر مقول القول.
{عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَعْمَلُ}، والهاء مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرجاع السلوكيات إلى المنابع النفسية والاعتقادية: بعد أن بين في الآيات السابقة مواقف الناس المتناقضة من القرآن ومن النعمة والضر، لخص هنا القانون العام المحيط للسلوك الإنساني: {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}؛ فالإناء ينضح بما فيه، وتصرفات الإنسان انعكاس مباشر لعقيدته وبنيته الأخلاقية.
قطع الجدال وتفويض الحكم لله: قوله {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَن هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا} ينهي المماراة العقيمة مع المعاندين؛ فالمعركة ليست مباهاة كلامية، بل هي مآلات وحقائق مكشوفة عند العليم الحكيم.
التمهيد للسؤال عن جوهر الإنسان وهو "الروح" في الآية التالية: لما قرر أن الأفعال تصدر عن الشاكلة الباطنة، انتقل في الآية (85) للحديث عن السر الإلهي الكامن في هذا الإنسان وهو: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالشاكلة والجبلة على التبرير للمعاصي (شبهة الجبر السلوكي):
قد يزعم عاصٍ أو ملحد أن الآية تعني أن الإنسان مجبر على طبيعته وجبلته فلا لوم عليه إن كفر وظلم لأنها "شاكلته"!
التحرير العقلي والشرعي لإبطال الاحتجاج بالقدر:
"الشاكلة" ليست قالباً جبرياً لا فكاك منه، بل هي مزيج من: الاستعداد الفطري، واختيار العبد، والبيئة، والعادات التي اكتسبها بكامل إرادته؛ فالإنسان مسؤول عن تشكيل شاكلته؛ فمن اختار التقوى صبغ شاكلته بالهدى وصارت الطاعة سجية له: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}؛ ومن اختار الفسوق استمرأ الباطل حتى صار شاكلة له؛ فالأمر كسب واختيار يُحاسب العبد عليه، وإلا لبطل الثواب والعقاب والرسالات؛ فربكم أعلم بمن اختار سبيل الهدى فسار فيه.
التنكير في {كُلٌّ}: يفيد الشمول والاستغراق لجميع المكلفين في الأرض؛ فلا يشذ إنسان عن هذا القانون النفسي.
استعمال صيغة التفضيل {أَهْدَىٰ سَبِيلًا}: إشارة إلى أن الهداية درجات ومنازل، وأن الله وحده هو المطلع على كمال الإخلاص ومواطأة القلب لشرع الله.
الإشارة والتدبر: انظر إلى "شاكلتك"؛ هل ترتاح للقرآن ومجالس الصالحين، أم ترتاح للغو والغفلة؟ فإن العمل ثمرة الشاكلة، وجاهد نفسك على تغيير شاكلتك الباطنة لتكون على شاكلة الأنبياء والصديقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مراعاة الفروق الفردية والطبائع النفسية في الدعوة والتربية؛ فكل إنسان له مدخل وباب يناسب شاكلته، والداعية الحكيم يوظف طاقات الناس وفق استعداداتهم المشروعة.
التوجيه التربوي: العناية بإصلاح البواطن وتطهير النيات؛ فالأعمال الظاهرة لا تستقيم إلا إذا استقامت الشاكلة الباطنة في القلب.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن انكساراً بين يدي علام الغيوب {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ}، سائلاً ربه بصدق أن يهديه لأهدى السبل وأقوم الطرق الموصلة إلى رضوانه.