القانون الإلهي السنني في التوافق والمجانسة بين الرسل والمرسل إليهم:
يلقن الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم الحجة المنطقية والسننية الباهرة التي تقطع دابر شبهتهم؛ قل يا محمد لهؤلاء المتعنتين: لو كانت الأرض مستقراً ومسكناً لعالم من الملائكة يعيشون فيها كعمارها، ويمشون على أقدامهم مطمئنين مستقرين كما يمشي بنو آدم، لاقتضت حكمتنا أن ننزل عليهم من السماء رسولاً من جنسهم ليفهموا عنه ويقتدوا به؛ ولكن الأرض يسكنها بنو آدم من البشر، فاقتضت الحكمة والمجانسة والرحمة أن نرسل إليهم رسولاً من البشر ليفقهوا لسانه، ويأنسوا به، ويتعلموا منه، ويقتدوا بأفعاله.
تفسير الطبري (14/ 610)مصدر غير محدد١٤/٦١٠: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}: أي لو كان سكان الأرض ملائكة يسكنونها بدلاً من بني آدم، {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا}: من جنسهم؛ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس من أرسل إليه ليتفاهموا معه ويصلح للاقتداء؛ فحيث كان سكان الأرض بشراً كان رسولهم بشراً رحمة بهم وحكمة.
تفسير ابن كثير (5/ 88)مصدر غير محدد٥/٨٨: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}؛ فالتجانس شرط في التخاطب والقدوة؛ فالملائكة لا تطاق رؤيتهم للبشر، ولو نزلوا على صورتهم لصعق الناس وماتوا؛ فمن كمال الرحمة أن كان الرسول بشراً رحيماً.
القرطبي (10/ 386)مصدر غير محدد١٠/٣٨٦: يذكر القرطبي أن المشي والاطمئنان من صفات الساكنين المستقرين في الأرض؛ والآية أصل في حكمة المجانسة بين الهادي والمهدي؛ لتتحقق الأسوة الحسنة في العبادة والمعاملات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مُطْمَئِنِّينَ: مستقرين وساكنين ومستوطنين الأرض لا يفارقونها، من الطمأنينة وهي السكون والاستقرار.
{نَزَّلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل.
{عَلَيْهِم}: متعلق بـ {نَزَّلْنَا}.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: متعلق بـ {نَزَّلْنَا} أو بمحذوف حال من ملكاً.
{مَلَكًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{رَّسُولًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة جواب لو لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفحام الخصم بقانون "المجانسة الكونية": بعد أن استنكروا بشرية الرسول في الآية السابقة، ألقمهم الحجر بهذا الدليل العقلي الفطري؛ فالرسول ينبغي أن يطابق جنس المرسل إليهم؛ فالملائكة للملائكة، والبشر للبشر؛ فلما كنتم بشراً تعيشون على الأرض وتمشون في أسواقها، نزل إليكم بشر مثلكم يفهم عنكم وتفهمون عنه.
التقييد بـ {يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}: قيد بديع؛ للدلالة على أن الملائكة بطبيعتهم سكان السماء يطيرون بأجنحة ويعرجون، فلو قُدر أنهم استقروا في الأرض ومشوا مطمئنين كالبشر لاحتاجوا إلى رسول من جنسهم؛ فكيف يطلب البشر رسولاً من غير جنسهم وطبيعتهم؟!
التمهيد لخاتمة الشهادة والتوكل في الآية اللاحقة: مهد هذا الإلزام العقلي لإعلان الاكتفاء بشهادة الله في قوله: {قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق فلسفة "القدوة والأسوة" في بشرية الرسل:
لماذا جعل الله الرسول بشراً وليس ملكاً؟
المحاكمة العقلية والتربوية التامة المحيطة:
الهدف الأساسي من إرسال الرسل ليس مجرد إيصال رقعة أو كتاب، بل هو "إقامة النموذج البشري التطبيقي للقرآن"؛ فالإسلام ليس نظريات مجردة، بل هو دين يتحرك في لحم ودم وأعصاب؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يجوع فيربط على بطنه الحجر، فيتعلم الفقير الصبر؛ وينتصر فيعفو عند المقدرة، فيتعلم القائد الرحمة؛ ويغضب لله في كظم الغيظ، فيتعلم المؤمن ضبط النفس؛ ويموت أولاده فيبكي وتدمع عينه، فيتعلم المحزون الرضا بقضاء الله؛ فلو كان ملكاً لسقطت كل هذه المعاني العظيمة ولما استطاع بشر في الأرض أن يتأسى به في شؤون الحياة.
أسلوب الشرط بـ {لَوْ} الدال على الامتناع: بيّن أن مجتمع الملائكة الأرضي ممتنع، فترتب عليه امتناع إنزال ملك رسول على الأرض.
التعبير بـ {يَمْشُونَ}: إبراز للطبيعة الأرضية المقيدة بالحركة المادية على الأقدام، وهي أخص صفات البشر.
الإشارة والتدبر: لقد شرفك الله أيها الإنسان حين بعث فيك رسولاً من جنسك ونوعك ونفسك، ينطق بلسانك ويعيش همومك: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ فاشكر هذه النعمة باتباعه والتأسي به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ مبدأ المجانسة والاقتراب النفسي في الدعوة؛ فالداعية يجب أن يكون من جنس مجتمعه يفهم لغتهم وثقافتهم ولا يستعلي عليهم ببروج عاجية.
التوجيه التربوي: تقديم الرسول صلى الله عليه وسلم كقدوة حية جامعة لكل جوانب الحياة (أباً، وزوجاً، وقائداً، وتاجراً، ومربياً، وعابداً).
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن حباً وشوقاً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممتلئاً بالرضا واليقين بأن شريعة الله هي عين الحكمة والرحمة بالبشر أجمعين.