تمكين بني إسرائيل بعد هلاك فرعون وحقيقة وعد الآخرة:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص175) بإسناده عن قتادة وابن زيد: قوله تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ}: أي قلنا لهم بعد غرق فرعون وهلاكه: اسكنوا أرض الشام (وقيل أرض مصر)، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}: قال قتادة والجمهور: إذا جاء يوم القيامة، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}: أي جئنا بكم جميعاً مختلطين من كل مكان؛ مؤمنكم وكافركم، شريفكم ووضيعكم، ليجازى كل إنسان بعمله.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص128): "وهذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة، مع كونه نزل بمكة وهو في حال استضعاف وإخفاء، فكما أهلك الله فرعون وأورث بني إسرائيل الأرض، فكذلك سيهلك مشركي قريش ويورثك وأصحابك بلادهم. وقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}: يعني القيامة، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}: أي جميعاً مختلطين قد التفت قبائلكم وأجناسكم لا يغادر منكم أحداً".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص340): "اللفيف: الجماعات من قبائل شتى لا يتعارفون، من لَفّ الشيء إذا خلطه، والجمع ألفاف؛ والمعنى: حشرناكم من قبوركم مختلطين للحساب والجزاء، فلا ينفع يومئذ نسب ولا سلطان إلا من أتى الله بقلب سليم".
ونقل الرازي وغيره قولاً آخر: أن المراد بـ {وَعْدُ الْآخِرَةِ} هنا هو الإفساد الثاني والمرة الآخرة المذكورة في صدر السورة في قوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ}، والجمهور على أنه القيامة، وكلا الوجهين يحمل دلالة سننية عظيمة في حتمية المحاسبة وزوال العلو المؤقت.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية الإعرابية والدلالية:
{وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ}: الواو عاطفة، قلنا فعل وفاعل، ومن بعده جار ومجرور متعلق بقلنا، والضمير في بعده يعود على فرعون أو على إغراقه.
{لِبَنِي إِسْرَائِيلَ}: اللام حرف جر، وبني مجرور بالياء ملحق بجمع المذكر السالم، وإسرائيل مضاف إليه ممنوع من الصرف.
{اسْكُنُوا الْأَرْضَ}: اسكنوا فعل أمر والواو فاعل، والأرض مفعول به منصوب، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ}: الفاء عاطفة، إذا ظرف زمان شرطي غير جازم، وجاء فعل ماض، ووعد فاعل والآخرة مضاف إليه، وجملة جاء في محل جر بالإضافة.
{جِئْنَا بِكُمْ}: جملة جواب الشرط لا محل لها، جئنا فعل وفاعل، وبكم متعلق بجئنا.
{لَفِيفًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الضمير المجرور في {بِكُمْ}؛ واللفيف اسم لما التف بعضه ببعض واختلط من أصناف وأقوام شتى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعجاز المعمار البلاغي (رد العجز على الصدر):
تلتقي هذه الآية في منتهى السورة مع مطلعها في تناغم مذهل يعود إلى قوله تعالى في صدر السورة: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ}؛ فالسورة تطوف بالبشرية في رحلة التمكين والابتلاء ثم ترد الجميع إلى الحشر والجزاء الحتمي.
التذكير بسنة استخلاف المستضعفين: لما أهلك الله فرعون المتجبر، ملك بني إسرائيل المستضعفين الأرض؛ تعليماً للأمة بأن العاقبة للمتقين.
تعليق التمكين بالمسؤولية الأخلاقية: سكنى الأرض ليست غاية مطلقة ولا تمليكاً أبدياً بغير حساب، بل هي فترة استخلاف موقوتة تنتهي بمجيء وعد الآخرة ووقوف الجميع في ساحة القسط الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة "الحق الإلهي الأبدي المزعوم في الأرض":
المحاكمة العقلية والسننية:
يزعم بعض أهل الكتاب أن قوله: {اسْكُنُوا الْأَرْضَ} يعطيهم صكاً أبدياً غير مشروط لملكية الأرض والتصرف فيها كيفما شاؤوا.
الرد المحكم:
الأمر بـ {اسْكُنُوا} هو استخلاف تكليفي واختباري مشروط بالاستقامة والعدل وامتثال شريعة الله، ولذلك أتبعه مباشرة بالتذكير الحاسم باليوم الآخر: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا}.
سنة الله العامة لا تحابي جنساً ولا قوماً؛ فمتى فسد بنو إسرائيل واعتدوا وظلموا، سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب كما قرر القرآن في صدر السورة: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}، والأرض يرثها عباد الله الصالحون.
براعة الانتقال من التاريخ الحاضر إلى الأفق الأخروي: نقل المشهد من نجاة بني إسرائيل في الدنيا إلى مشهد الحشر الأعظم في الآخرة، لئلا تركن النفوس إلى النصر الدنيوي وتغفل عن المصير النهائي.
التصوير البصري بكلمة {لَفِيفًا}: رسم مشهد الحشر الهائل حيث تلتف الخلائق وتختلط الشعوب والأمم والأنساب والأجناس في حشر عام لا يستثني أحداً، وتتلاشى فيه كل دعاوى التميز العرقي والطبقي.
الإشارة والتدبر: كل سلطان في الدنيا عارية مستردة، وكل سكنى في الأرض رحيل موقوت؛ والموعد الحق هو يوم يجمعنا الله لفيفاً، فطوبى لمن أعد للجمع زاده وللحساب جوابه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط قضايا التمكين والنصر الدنيوي بالاستعداد للآخرة والعمل الصالح؛ فلا ينبغي للمؤمنين أن يستغرقهم النصر عن واجب الشكر ومحاسبة النفس.
التوجيه التربوي: تنشئة الأجيال على استيعاب السنن الكونية والتاريخية، وأن استخلاف الأمم منوط بإقامة القسط ومحاربة الفساد لا بمجرد الادعاءات والشعارات.
الأثر الوجداني: استشعار هيبة الحشر الأكبر حيث يُحشر الناس لفيفاً، فيقبل القلب على ربه متجرداً من حطام الدنيا وزخرفها الفاني.