الرحمة الإلهية العظمى في إبقاء الوحي وتثبيته وعظم الفضل الممنوح لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم:
يستثني الحق سبحانه وتعالى برحمته وفضله؛ فما أبقينا هذا الوحي في صدرك وأدمناه في أمتك إلا رحمة من ربك بك وبالمؤمنين؛ لتكون هادياً ونذيراً وتظل الأمة مستمسكة بالنور؛ إن فضل الله عليك يا محمد كان عظيماً كبيراً لا يبلغه قدر؛ بأن اصطفاك خاتماً للرسل، وأنزل عليك أشرف الكتب، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأعطاك المقام المحمود والكوثر ورفع لك ذكرك في العالمين.
تفسير الطبري (14/ 593)مصدر غير محدد١٤/٥٩٣: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}: استثناء منقطع؛ أي لكن رحمة من ربك تركت ذلك الوحي ثابتاً في قلبك ولم تذهب به، {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا}: حيث جعلك سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، وإمام المرسلين، وأنزل عليك الفرقان المعجز، وأعطاك الشفاعة العظمى.
تفسير ابن كثير (5/ 84)مصدر غير محدد٥/٨٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن فضل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عظيم فوق كل فضل؛ أرسله إلى الثقلين، وأظهر دينه على الدين كله، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وأعطاه من الفضائل والخصائص ما لم يعطه أحداً من العالمين.
القرطبي (10/ 374)مصدر غير محدد١٠/٣٧٤: يذكر القرطبي أن الاستثناء منقطع بمعنى لكن؛ أو مفعول لأجله؛ أي ما تركناه إلا لرحمتنا بك؛ والفضل الكبير هو دوام الوحي والنبوة والخلة والمقام المحمود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الرَّحْمَة: الإحسان والإنعام والتثبيت ودفع النقمات، وهي هنا بقاء الوحي ونوره.
الفَضْل: الزيادة في الخير والإنعام الذي لا يجب على المعطي بل يمنحه جوداً وكرماً.
إعراب {إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}:
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{رَحْمَةً}: منصوب على الاستثناء المنقطع (بمعنى لكن رحمة)، أو مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة لفعل محذوف تقديره (ولكن لم نذهب به رحمة بك).
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {فَضْلَهُ}: اسم {إِنَّ} منصوب والهاء مضاف إليه.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{عَلَيْكَ}: متعلق بـ {كَبِيرًا}.
{كَبِيرًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان خبر {إِنَّ}، وجملة إن مستأنفة للتعليل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطييب قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد مشهد التهديد: لما ذكر القدرة على إذهاب الوحي في الآية السابقة، بادر مباشرة بفتح أبواب الرحمة والفضل؛ تطميناً لقلب النبي الشريف بأنه محفوظ برعاية ربه وفضله الدائم.
إضافة الربوبية مع كاف الخطاب {مِّن رَّبِّكَ}: لإبراز عاطفة التربية والحنان واللطف الإلهي بالرسول المصطفى؛ فالرب الذي رعاك صغيراً ويتواً هو الذي يتولاك برحمته ولا يسلبك نعمته.
التمهيد للتحدي المعجز في الآية اللاحقة: لما بيّن عظم فضل الوحي، أعلن في الآية (88) التحدي الكوني المعجز للإنس والجن بأن يأتوا بمثل هذا الفضل المنزل: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا كان الفضل على النبي صلى الله عليه وسلم "كبيراً" بوجه أخص؟:
ما هي مظاهر هذا "الفضل الكبير" التي ميزت النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق؟
التحرير والتفصيل العقدي والتاريخي:
الفضل الكبير تجلى في:
عموم الرسالة للإنس والجن إلى قيام الساعة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ}.
المعجزة العقلية الخالدة الباقية وهي القرآن الكريم المحفوظ بحفظ الله.
الشفاعة العظمى والمقام المحمود وسجوده تحت العرش لفصل القضاء.
أن أمته ثلثا أهل الجنة، وأنه أول من يقرع باب الجنة فيفتح له.
رفع ذكره فلا يذكر الله إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم مقرون معه في الشهادة والأذان والتشهد؛ فكان فضله كبيراً مطلقاً يليق بكرامة خاتم النبيين.
التنكير في {رَحْمَةً} والوصف بـ {كَبِيرًا}: للتعظيم المطلق؛ رحمة بالغة السعة، وفضل عظيم متسع الأرجاء.
التأكيد بـ {إِنَّ} واستعمال {كَانَ} الدالة على الاستقرار والثبوت: لبيان أن فضل الله على نبيه ليس عارضاً ولا مؤقتاً، بل هو فضل ثابت مستقر أزلاً وأبداً.
الإشارة والتدبر: كل نعمة تعيشها من إيمان وصحة ومال وعلم هي رحمة من ربك؛ فاحذر أن تنسب الفضل لنفسك فتقول كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}؛ بل اعترف بفضل المنعم وقل: "هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الأمة بنبيها صلى الله عليه وسلم وتبيين فضله ومكانته، وتربية المسلمين على محبته وتوقيره واتباع سنته.
التوجيه التربوي: غرس خلق الاعتراف بالفضل والشكر؛ فالمؤمن دائم الثناء على الله بلسانه وجوارحه.