شبهة منكري البعث واستبعاد إعادة الأجساد بعد فنائها وتفتتها:
يعرض الحق سبحانه وتعالى مقالة مشركي قريش ومنكري المعاد؛ حيث استبعدوا بعقولهم القاصرة أن تعاد أجسادهم للحياة بعد أن تموت وتبلى لحومها، وتتحول عظامهم إلى رفات وتراب متفتت تذروه الرياح؛ متسائلين على سبيل الإنكار والاستهزاء: أإذا صرنا إلى هذه الحال من الفناء والتلاشي أنبعث خلقاً جديداً سوياً كما كنا أول مرة؟!
تفسير الطبري (14/ 500)مصدر غير محدد١٤/٥٠٠: يروي ابن جرير عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا}: بالية قد نخرت، {وَرُفَاتًا}: الرفات هو التراب والفتات المسحوق، يقال: رَفَتُّ الشيء أَرْفُتُه إذا سحقته وكسرته؛ فصار رفاتاً كالحطام والدقاق؛ {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}: استفهام إنكاري منهم؛ أي لن نبعث ولن نخلق خلقاً مستأنفاً بعد الفناء والبلى؛ استبعدوا قدرة الله على إحيائهم قياساً على عجز المخلوق.
تفسير ابن كثير (5/ 59)مصدر غير محدد٥/٥٩: يقرر الحافظ ابن كثير أن الكفار حصروا عقولهم في عالم الأسباب المادية والمشاهدات الدنيوية؛ فقاسوا قدرة الخالق العظيم على عجز المخلوق الضعيف؛ وظنوا أن تفرق الأجزاء واستحالتها تراباً يمنع من جمعها؛ وغفلوا عن أن الذي أوجدهم من العدم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً قادر على إعادتهم وهو أهون عليه سبحانه.
القرطبي (10/ 305)مصدر غير محدد١٠/٣٠٥: يذكر القرطبي القراءات في قوله {أَإِذَا... أَإِنَّا} بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما، وهي لغات فصيحة متواترة في الاستفهام؛ والرفات هو كل ما تكسر وتفتت من عظم أو غيره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الرُّفَات: الحطام والفتات المتكسر من كل شيء حتى يصير كالتراب؛ من رَفَتَ الشيء إذا دقه وكسره.
خَلْقًا جَدِيدًا: الخلق يطلق على المخلوق أو على المصدر؛ والمراد هنا: كائنات حية مستأنفة الخلق، والجديد ضد القديم البالي.
الواو استئنافية، {قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
الهمزة للاستفهام الإنكاري، {إِذَا}: ظرف زمان شرطي متعلق بما يدل عليه الخبر في جملة {لَمَبْعُوثُونَ}.
{كُنَّا}: فعل ماض ناقص، و{نَا} اسمها.
{عِظَامًا}: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَرُفَاتًا}: معطوف على عظاماً منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان في محل جر مضاف إليه لـ {إِذَا}.
إعراب {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}:
الهمزة للاستفهام الإنكاري المؤكد للأول.
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب، و{نَا} اسمها.
اللام المزحلقة للتوكيد، {مَبْعُوثُونَ}: خبر {إِنَّ} مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{خَلْقًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة (أو مفعول مطلق لفعل مبعوثون لأنه في معناه).
{جَدِيدًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة إن واسمها وخبرها جواب قسم مقدر أو استئناف مبين للإنكار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الطعن في الرسالة إلى إنكار المعاد: بعد أن استعرضت الآيات السابقة طعونهم في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ونعته بـ "مسحور"، انتقل السياق إلى إظهار علة كفرهم العميقة، وهي إنكار اليوم الآخر؛ فالكافر يهرب من التكاليف لعدم إيمانه بالحساب الأخروي.
تكرار أدوات الإنكار والتوكيد في سؤالهم: جمعوا بين همزتي الاستفهام الإنكاري {أَإِذَا... أَإِنَّا}، والتوكيد بـ {إِنَّ} واللام {لَمَبْعُوثُونَ} في سياق التهكم؛ لإظهار استحالة البعث عندهم وثقتهم المطلقة بامتناعه؛ فجاء الرد الإلهي في الآيات التالية حاسماً ينسف شبهتهم من جذورها.
التدرج اللفظي في الفناء: بدأ بـ {عِظَامًا} وهي البقية الصلبة المتماسكة من الجسد، ثم ترقى إلى {رُفَاتًا} وهو التفتت والتحول التام إلى ذرات تراب؛ لإحاطة كل مراتب الفناء المادي واستبعاد الرجوع بعدها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحالة إعادة الأجسام بعد استحالها تراباً:
زعم منكروا البعث (قدماء ومحدثين من الماديين) أن الخلية إذا تلاشت وتبددت ذراتها في الهواء والأرض استحال عقلاً جمعها وإعادتها بشخصها.
المحاكمة العقلية الصارمة:
قياس الغائب على الشاهد والجهل بالقدرة المطلقة: المنكر يقيس قدرة الله المطلقة على قدرة الإنسان العاجزة؛ فالإنسان إذا تكسر كوبه الخزفي عجز عن إعادته ذرة ذرة؛ أما الخالق العظيم فهو محيط بكل ذرة في الكون: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}.
برهان البدء والإعادة: الذي اخترع المادة من العدم التام بلا مثال سابق قادر بداهة على إعادة تجميع الذرات الموجودة؛ والإعادة في حكم العقل أهون من الابتداء، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
الجناس والطباق المعنوي بين {رُفَاتًا} و{خَلْقًا جَدِيدًا}: مقابلة بديعة بين التفتت والتلاشي وبين التكوين والنماء والحياة الجديدة؛ لإبراز التناقض الصارخ الذي تصوره المشركون في عقولهم المادية.
التعبير بـ {رُفَاتًا} بصيغة فُعَال: صيغة تدل على ما يسقط ويتفتت كالحطام والفتات والقراضة؛ مما يصور المشهد الحسي الحطامي للجسد الميت.
الإشارة والتدبر: كل عظم نخر وكل ذرة تراب في جسدك ستناديها قدرة الله يوم القيامة فتستجيب وتعود؛ فاعمل لذلك اليوم ولا تغتر بقوة شبابك وسلامة جسدك اليوم؛ فإنك صائر إلى رفات ثم مبعوث إلى ربك للحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مناقشة الشبهات المادية المعاصرة بالحجج العقلية الكونية والتركيز على إثبات كمال علم الله وكمال قدرته؛ فاليقين بالمعاد هو قطب رحى الأخلاق والمسؤولية.
التوجيه التربوي: ترسيخ حقيقة الموت والبلى في نفوس الناشئة لكسر شوكة الغرور الدنيوي؛ وتذكيرهم بأن العاقبة ليست للجسد الفاني بل للروح وما كسبت من صالح الأعمال.
الأثر الوجداني: يستشعر المؤمن هيبة الموقف بين يدي الله عند البعث، ويوقن بأن ذرات جسده في حفظ الرحمن، فيستعد للقاء ربه بالعمل الصالح والتوبة الصادقة.