الإنكار الإلهي الصارم على فرية نسبة البنات والملائكة لله تبارك وتعالى:
يوبخ الحق سبحانه وتعالى مشركي قريش والعرب الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، مع أنهم يكرهون الإناث لأنفسهم ويدفنون البنات أحياء (الوأد)؛ فكيف ينسبون للخالق العظيم المنزه عن الشبيه والولد ما يأنفون هم من نسبته لأنفسهم؟! إن هذا القول بهتان عظيم وجرأة شنيعة تستوجب أشد المقت والعذاب.
تفسير الطبري (14/ 478)مصدر غير محدد١٤/٤٧٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والحسن: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ}: أي أخصكم ربكم وأخلصكم بالذكور من الأولاد ورضي لنفسه الإناث بزعمكم؟! والهمزة للإنكار والتوبيخ، {وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا}: أي وجعل الملائكة المكرمين بنات له تعالى عن ذلك، {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا}: أي كذباً شنيعاً، وجرأة عظيمة على الله، وافتراءً يستوجب سخط الجبار وزوال السموات والأرض كما قال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا}.
تفسير ابن كثير (5/ 54)مصدر غير محدد٥/٥٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية تلزم المشركين بفساد مذهبهم وتناقض عقولهم من جهتين: الأولى نسبة الولد لله وهو الغني الأحد الصمد، والثانية جعلهم الأخس والأدنى في عرفهم لله تبارك وتعالى، وجعل الأفضل والأحب إليهم لأنفسهم؛ كقوله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}.
القرطبي (10/ 292)مصدر غير محدد١٠/٢٩٢: يوضح القرطبي أن الإصفاء هو الإيثار بالشيء الخالص، يقال: أصفيت فلاناً بكذا إذا آثرته به وأخلصته له؛ والقول العظيم هو الكفر والفرية الشنيعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإصْفَاء: مشتق من الصفاء، وهو الإيثار بالشيء الخالص النقي، وأصفاه بالشيء: اختصه وآثره به خالصاً دون مشارك.
إعراب {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ}:
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي.
الفاء عاطفة على مقدر (أي: أزعمتم ذلك فأصفاكم...).
{أَصْفَاكُمْ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة الآية لما قبلها: لما اختتمت الوصايا السابقة بالنهي القاطع عن الشرك في قوله: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ}، أعقب ذلك بإبطال أعظم أشكال الشرك الشائعة بين مشركي العرب، وهو ادعاء أن الملائكة بنات الله؛ ففضح تناقضهم المعرفي والأخلاقي.
الإلزام بالمفارقة والتبكيت: استعمال أسلوب الاستفهام التوبيخي {أَفَأَصْفَاكُمْ}: لإبراز قبح مقالتهم؛ حيث جعلوا لأنفسهم ما يشتهون من البنين وحرموا الخالق من التنزيه وألصقوا به ما يكرهون.
التدرج إلى إثبات وحدانية الرب: هذه الآية توطئة لبراهين التوحيد الكبرى التي ستتوالى في الآيات اللاحقة (42-44) بنفي الشركاء وتسبيح الأكوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الأنوثة والولد إلى الذات الإلهية:
كان كفار قريش (كنانة وخزاعة) يزعمون أن الملائكة بنات الله وصاهرت الجن فأنجبت الملائكة، تعالى الله عن ذلك.
المحاكمة العقلية الصارمة:
التنزه الذاتي: الولد إنما يكون من جنس والده لحاجة الوالد إلى البقاء أو المعاونة عند العجز والشيخوخة؛ والله سبحانه غني أزلي، حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، فكيف يحتاج إلى ولد؟!
التناقض القيمي للمشركين: هم يكرهون الإناث ويدفنونهن ويسود وجه أحدهم إذا بشر بالأنثى، فكيف يجعلون لله ما يأنفون منه؟! أليس هذا قمة السفاهة والاضطراب العقلي؟!
الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {أَفَأَصْفَاكُمْ}: يحمل أقوى معاني التقريع والتهكم بعقول هؤلاء المشركين؛ إذ كيف يختصهم ربهم بالأكمل بزعمهم ويتخذ لنفسه الأدنى؟!
التأكيد بـ {إِنَّ} واللام المزحلقة والمفعول المطلق الموصوف {قَوْلًا عَظِيمًا}: ثلاث مؤكدات لبيان هول الجريمة وعظم الوزر؛ فالكلمة ليست مجرد رأي عابر، بل هي جرم كوني تنفطر له السموات.
الإشارة والتدبر: احذر أن تنسب إلى شرع الله ما تهواه نفسك، أو أن تزن أحكام الدين بموازينك القاصرة؛ فالله هو الحكيم العليم، وتنزيهه عن كل نقص هو أصل النجاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مناظرة المبطلين بكشف تناقضاتهم الداخلية؛ فكل مذهب باطل يحمل في طياته بذور فنائه وتناقضه المنطقي.
التوجيه التربوي: تعظيم حرمة القول في جناب الله؛ فالكلام في العقائد ليس مجالاً للظنون والخرص، بل يجب أن يبنى على الوحي القاطع والبرهان الساطع.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن إجلالاً لله تعالى وتنزيهاً له عن الشريك والولد والند، مستشعراً عظمة التوحيد الخالص ونقاء العقيدة الإسلامية.