يفتتح الله تبارك وتعالى دستور الأخلاق والتشريع الإسلامي بأعظم أمرين؛ فقضى وأوجب وحكم حتماً ألا يُعبد سواه، ثم ثنى مباشرة بالأمر بالإحسان إلى الوالدين، مفصلاً أدب معاملتهما في حال ضعفهما وكبر سنهما؛ فلا يتأفف الولد من خدمتهما، ولا يغلظ لهما في القول، بل يخاطبهما بأكرم لفظ وأرق عبارة.
تفسير الطبري (14/ 440)مصدر غير محدد١٤/٤٤٠: يروي الطبري عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك: معنى {وَقَضَىٰ رَبُّكَ}: أمر ربك وألزم وأوجب، {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}: أي أخلصوا له العبادة وحده، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: وأمر بالوالدين أن تحسنوا إليهما براً ولطفاً وخدمة ونفقة، {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ}: عند عجز أحدهما أو كلاهما عن خدمة نفسه وحاجته إليك كما كنت صغيراً محتاجاً إليهما، {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}: لا تتضجر مما تستقذره منهما، ولا تؤذهما بأدنى كلمة ضجر.
تفسير ابن كثير (5/ 42)مصدر غير محدد٥/٤٢: يقرر الحافظ ابن كثير أن الله تعالى قرن عبادته ببر الوالدين في غير ما آية من كتابه العزيز؛ كقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}؛ لأن الله هو الموجد الحقيقي من العدم، والوالدان هما السبب الظاهر في الوجود والتربية والرعاية.
القرطبي (10/ 253)مصدر غير محدد١٠/٢٥٣: يذكر القرطبي أن لفظ (أف) اسم صوت للتضجر والاستثقال، وهي أقل مراتب الأذى في لغة العرب؛ فنبه الله بأدنى درجات الأذى على تحريم ما فوقه من باب أولى كالسب والضرب والقطيعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القضاء: الحكم والإلزام والوصية الجازمة، قَضَى يَقْضِي قَضَاءً؛ أي حكم حكماً لازماً.
أُفٍّ: صوت الضجر والغيظ والاستثقال، وفيها قراءات ولغات: أُفٍّ بالكسر والتنوين، وأُفَّ بالفتح دون تنوين، وأُفُّ بالضم.
الانتهار: الزجر بالصوت العالي والغلظة، ونَهَرَهُ يَنْهَرُهُ إذا زجره وصاح به بقسوة.
{تَعْبُدُوا}: مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ {قَضَىٰ}، أو في محل جر بحرف جر محذوف (بألا تعبدوا).
{إِلَّا}: أداة حصر.
{إِيَّاهُ}: ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به لـ {تَعْبُدُوا}.
{أُفٍّ}: اسم صوت مبني على الكسر في محل نصب مقول القول.
{وَلَا تَنْهَرْهُمَا}: معطوف على ما قبله مجزوم، والهاء مفعول به.
{وَقُل}: أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر.
{لَّهُمَا}: متعلق بـ {قُل}.
{قَوْلًا}: مفعول مطلق منصوب (أو مفعول به).
{كَرِيمًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الترتيب التشريعي: لما ختمت الآية السابقة بالنهي عن الشرك {لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ}، افتتحت هذه الآية بتقرير أصل التوحيد إيجاباً وإلزاماً {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}، ثم ثنت بحق الوالدين؛ ليكون التوحيد أساساً لكل بر.
دلالة الظرفية في {عِندَكَ}: لم يقل (إما يبلغا الكبر)، بل قال {عِندَكَ}؛ ليوحي بأن الوالدين صارا في كنفك، وضيافتك، وتحت سقف بيتك، وفي حمايتك ورعايتك، لا في دار عجز أو إهمال.
التدرج في النهي من الأدنى إلى الأعلى ثم الأمر بالبديل الأكرم:
نهى عن أدنى حركة تنفيس صوتي عن الضجر {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}.
ثم ارتقى بالنهي عن ردة الفعل الحركية أو الصوتية القاسية {وَلَا تَنْهَرْهُمَا}.
ثم لم يكتف بالسكوت، بل أوجب القول الإيجابي الرقيق {وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مفهوم الموافقة القطعي ودلالة النص في تحريم ما فوق التأفيف:
كيف نص القرآن على تحريم (أف) وسكت عن التصريح بتحريم الضرب أو الطرد؟
البرهان والتحرير الأصولي الباهر: هذا من أعلى أساليب القياس الجلي ومفهوم الموافقة الأولى (فحوى الخطاب)؛ فالنص على أدنى درجات الأذى التي لا تكاد تحس (وهي نفخة الضجر بحرفين: أف) يقتضي بالضرورة والبداهة العقلية تحريم ما هو أعظم منها كالشتم والضرب والإهانة بأضعاف مضاعفة؛ فلو كان هناك لفظ أهون من (أف) لنهى الله عنه؛ فعلم قطعا أن كل ما يورث الوالدين حزناً أو أذى محرم بنص القرآن وإجماع الأمة.
أسلوب الحصر بـ {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}: لتوكيد أن العبادة حق حصري لله لا يشرك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
الوصف بـ {كَرِيمًا} في {قَوْلًا كَرِيمًا}: الكريم هو السالم من كل عيب، المشتمل على اللطف، والاحترام، والتوقير، وخفض الصوت، وانتقاء أجمل العبارات التي تدخل السرور على قلوبهما.
الإشارة والتدبر: الوالدان في كبرهما يمران بضعف الطفولة؛ فكما تحملاك صغيراً وأنت تبكي وتستقذر وتتطلب برحمة وصبر وحب لبقائك، فواجبك أن ترعاهما كبيراً بذات اللطف والحب، لا تفضلاً ولا استثقالاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إبراز المنظومة الأخلاقية والاجتماعية في الإسلام أمام العالم؛ فالإسلام يبني الأسرة على أسمى معاني الوفاء والرحمة، ويرفض عقوق الوالدين ورميهما في دور المسنين.
التوجيه التربوي: تدريب الأبناء والبنات على خفض الصوت، وحسن الاستماع، والمسارعة في قضاء حوائج الوالدين بابتسامة وبشاشة.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن رقة وخشوعاً وبراً بوالديه، ويتذكر تعبهما وسهرهما في تربيته، فيلهج لسانه بالاعتذار عن كل تقصير في حقهما.