يقرر الحق سبحانه كمال علمه بجميع خلقه في السموات والأرض (ملائكتهم وإنسهم وجنهم)، وبأقدارهم واستعداداتهم؛ وهو سبحانه بحكمته البالغة يختار من يشاء لرسالته؛ ولقد فاوت وفضّل بعض الأنبياء على بعض في الخصائص والمراتب والدرجات والكتب والخلة والتكليم؛ فكما فضّل داود عليه السلام فآتاه الزبور وكتاب التمجيد والملك مع نبوته، فكذلك فضّل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالرسالة العامة والقرآن العظيم والمقام المحمود والخلة؛ فلا وجه لإنكار كفار قريش لنبوته صلى الله عليه وسلم واستكبارهم عن فضله.
تفسير الطبري (14/ 514)مصدر غير محدد١٤/٥١٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: يعلم خلقه ومنازلهم ودرجاتهم واستحقاقهم، فيصطفي منهم الرسل والأنبياء بحكمته، {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ}: ففضل موسى بالتكليم، وإبراهيم بالخلة، ومحمداً بالشفاعة والمقام المحمود والرسالة العامة، وفضل عيسى بالبينات، {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}: والزبور كتاب أنزله الله على داود فيه مائة وخمسون مزموراً كلها تسبيح وتمجيد وتحميد ودعاء ليس فيها حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود؛ آتاه الله إياه بعد أن أوتي التوراة.
تفسير ابن كثير (5/ 62)مصدر غير محدد٥/٦٢: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة البقرة: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}؛ وأن هذا رد على مشركي مكة القائلين استكباراً وحسداً: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؛ فبيّن الله أن الاصطفاء والتفضيل بيد الله وحده لا بمقاييس الجاهلية في كثرة الأموال والعشائر.
القرطبي (10/ 315)مصدر غير محدد١٠/٣١٥: يذكر القرطبي القراءات في {زَبُورًا} بفتح الزاي (قراءة الجمهور) وهو اسم للكتاب، وقرأ حمزة وخلف بضم الزاي {زُبُورًا} وهو جمع زَبْر بمعنى الكتاب والمكتوب؛ والزبور هو كل كتاب مزبور أي مكتوب محكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التفضيل: تصيير الشيء ذا فضل ومزية ورفعة على غيره في الرتبة أو الخصائص.
الزَّبُور: بفتح الزاي، فعول بمعنى مفعول، أي مزبور ومكتوب، من زَبَرْتُ الكتاب إذا كتبته ونقشته؛ وبضم الزاي جمع زِبْر وهو الكتاب المكتوب.
الواو عاطفة، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، {قَدْ}: حرف تحقيق.
{فَضَّلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و{نَا} فاعل.
{بَعْضَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{النَّبِيِّينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{عَلَىٰ بَعْضٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {فَضَّلْنَا}.
إعراب {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}:
الواو عاطفة، {آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل.
{دَاوُودَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
{زَبُورًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من علم الله بالناس إلى علمه بالكون كله: لما قال في الآية السابقة {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}، ترقى هنا في بيان كمال العلم فقال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ فالعلم الإلهي يحيط بجميع العوالم العلوية والسفلية، ومن هذا العلم الواسع يختار رسله ويمنح فضله لمن يشاء.
الاستدلال بالوقائع التاريخية المسلّمة: خصص ذكر داود عليه السلام وإيتاء الزبور؛ لأن مشركي العرب وأهل الكتاب كانوا يقرون بنبوة داود وفضله؛ فإذا كنتم تقرون بأن الله فضّل داود وآتاه الزبور دون غيره، فلم تنكرون تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم وإيتاءه القرآن العظيم؟!
التمهيد لدعوة العاجزين في الآية التالية: هذا الاصطفاء والملك الإلهي المطلق يمهد لتحدي المشركين في آلهتهم العاجزة: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لعدم كونه من كبراء المال:
قالت قريش: كيف يُبعث محمد يتيماً فقيراً ولا يُبعث الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي؟!
المحاكمة العقلية ومقاييس الاصطفاء الإلهي:
مقاييس البشر المادية تقوم على المال، والجاه، وكثرة الخدم؛ أما ميزان الرب العليم الحكيم فيقوم على طهارة الروح، وكمال العقل، وصدق القلب، وعظمة الاستعداد لحمل الوحي الإلهي: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}؛ وتاريخ النبوات يشهد بأن الله فضّل بعض الأنبياء بالكتب، وبعضهم بالملك، وبعضهم بالصبر؛ فالتفاضل سنة إلهية كونية لا مدخل للأهواء البشرية فيها.
إفراد الخطاب في {وَرَبُّكَ} بعد الجمع في {رَّبُّكُمْ}: تشريف خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، وتسلية لقلبه الشريف؛ أي ربك الذي رعاك واصطفاك هو الأعلم بخلقه وهو ناصرك ومؤيدك.
التنكير في {زَبُورًا}: للتفخيم والتعظيم؛ أي كتاباً جليلاً مشتملاً على ضروب التحميد والتسبيح والمواعظ.
الإشارة والتدبر: التفاضل ليس بالأنساب ولا بالمظاهر، بل بما يودعه الله في القلوب من التقوى والمعرفة؛ فكن صادقاً مع ربك يرفعك درجات في الدارين: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، وبيان أن رسالة الإسلام هي درة تاج النبوات وخاتمتها الجامعة للفضائل.
التوجيه التربوي: تنقية القلوب من الحسد؛ فالاعتراض على نعم الله وتفضيله للآخرين هو اعتراض على حكمة الله وعلمه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.
الأثر الوجداني: يلهج لسان المؤمن بالصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين، ممتلئاً حباً وإجلالاً للرسل الكرام، ومعظماً لفضل الله الذي آتاهم الزبور والتوراة والإنجيل والفرقان.