أخرج الإمام البخاري في صحيحه (رقم 4760) ومسلم (رقم 2806)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٦ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رجلاً قال: يا نبي الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟! قال قتادة: بلى وعزة ربنا!".
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص155) بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: قوله تعالى: {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ}: من يوفقه الله لاتباع الحق فهو المهتدي إلى طريق الرشاد، {وَمَن يُضْلِلْ}: من يخذله الله ويصرف عنه التوفيق لظلمه واستكباره، فلن تجد لهم أنصاراً ولا أولياء يهدونهم أو يدفعون عنهم عذاب الله. وقوله: {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}: لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون إلا حريق جهنم وزفيرها.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص121): "وقوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ}: قال ابن عباس: سكنت، وقال مجاهد: طفئت، وقال قتادة: نضجت جلودهم وأكلت لحومهم، {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}: أي أوقدناها عليهم واستعر حريقها؛ كما قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}".
وبين القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص332): أن خبو النار ليس معناه فناءها أو زوال العذاب، بل خمود لهبها مؤقتاً عند أكل جلودهم، ثم تجدد اشتعالها بتبديل الجلود استمراراً للنكال والخلود الأبدي.
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص332)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣٢*جامع البيان* (ج15، ص155)جامع البيانالطبري١٥/١٥٥*تفسيره* (ج5، ص121)مصدر غير محدد٥/١٢١*صحيحه* (رقم 4760)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٦٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم اللغوي والتراكيب:
{يَهْدِ}: فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء).
{الْمُهْتَدِ}: خبر المبتدأ {هُوَ}، وجملة {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} في محل جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء؛ وحذفت الياء في قراءة نافع وأبي عمرو وصلاً ووقفاً، وثبتت في قراءة الباقين، وهو اسم فاعل يدل على من أصاب الهدى التام وثبت عليه.
{فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، لن حرف نفي ونصب واستقبال، تجد فعل مضارع منصوب، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، و{أَوْلِيَاءَ} مفعول به منصوب، و{لَهُمْ} متعلق بمحذوف حال.
{عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في نحشرهم.
{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}: كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط، وخبت فعل ماض مبني على الفتح المقدر والتاء للتأنيث (من خبا يخبو خَبْواً إذا سكن لهيبه)، وجملة {زِدْنَاهُمْ} جواب الشرط لا محل لها، و{سَعِيرًا} تمييز أو مفعول ثانٍ لزاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتساقها السياقي:
لما أمر الله نبيه أن يستشهد بربه في الآية السابقة، بيّن هنا أن استجابة الناس للدعوة ورفضهم لها خاضع للسنن الإلهية في الهداية والخذلان؛ فمن اهتدى فبتوفيق الله وامتثاله لأمره، ومن ضل فبسوء اختياره وظلمه لنفسه.
الربط الصارم بين العمل والجزاء: جعل الله عقوبة من سد حواسه عن رؤية آيات الله وسماع الحق في الدنيا أن يُحشر في الآخرة محروماً من هذه الحواس إهانة وتقريعاً.
التدرج من الجزاء النفسي (الإذلال بالحشر على الوجوه وسلب الحواس) إلى الجزاء الحسي المقيم (جهنم المسعرة التي لا تفتر).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية: الهداية والإضلال في القرآن منوطان بسنن محكمة؛ فالله تعالى لا يضل أحداً ابتداءً أو تعسفاً، وإنما يضل من اختار الضلالة وركب العناد وأصر على الاستكبار، كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وقال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}؛ فإسناد الهداية والإضلال إليه سبحانه لبيان أنه لا يقع في كونه شيء إلا بمشيئته وسننه، والعبد هو المباشر للسبب الكسبي باختياره وإرادته الحرة.
الشبهة الثانية: دفع التعارض المتوهم بين قوله {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} وبين نطق الكفار ورؤيتهم للنار في مواضع أخرى:
قيل في الجمع أربعة أوجه علمية متسقة:
اختلاف المواقف والمواطن: يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة وله مواطن شتى؛ فيحشرون أولاً عمياً وبكماً وصماً، ثم تعود إليهم حواسهم عند السؤال والمحاسبة، كما قال: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ}، وقالوا: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا}.
سلب وظيفة النفع والسرور: هم يرون النار لكنهم عمي عما يسرهم، ويسمعون الزفير والشهيق لكنهم صم عن سماع ما ينفعهم من كلام البشرى والرحمة، ويتكلمون بالاعتراف ولكنهم بكم عن النطق بحجة تنقذهم.
الإلجام بالحسرة: عند دخولهم جهنم يقال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}، فينقطع كلامهم ويصيرون صماً بكماً عمياً في العذاب الأبدي.
المشاكلة الجزائية: سلبهم الحواس جزاء ما عطلوها في الدنيا عن فهم مراد الله وتدبر كلامه.
الجزاء من جنس العمل (المشاكلة التقديرية): لما عموا عن رؤية آيات الله، وصموا عن سماع نذر رسله، وبكموا عن النطق بكلمة التوحيد في الدنيا؛ حشرهم الله في العرصات عمياً وبكماً وصماً.
التنكيس والإذلال الحسي: الحشر {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} صورة بيانية بالغة الإفحام في إذلال المتكبر؛ فالوجه هو أشرف ما في جسد الإنسان وموضع كرامته وعزته، فإذا صار موطئ المشي على الأرض دل على غاية الخزي والمهانة والسقوط.
صيغة الاستمرار في {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}: تدل على دوام العذاب وتجدده، وأنه لا أمل لهم في خفة ولا انقطاع، مما يقطع كل رجاء في الخلاص.
الإشارة والتدبر: كل حاسة وهبك الله إياها في هذه الحياة هي أمانة إلهية؛ فإن لم تبصر بها طريق الحق، ولم تسمع بها آيات الذكر، ولم تنطق بها بالصدق والتوحيد؛ تحولت تلك الحواس في الآخرة إلى حسرة ونكال وشاهد عليك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير المعاندين باليوم الآخر وتصوير مشاهد النكال الأخروي بأسلوب يهز القلوب الحية، لعل النفوس ترتدع عن غيها وتستيقظ من سباتها.
التوجيه التربوي: توجيه السمع والبصر والفؤاد نحو تحصيل العلم النافع والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، واستخدام اللسان في ذكر الله والدعوة إليه، حذراً من السقوط في درك الحرمان.