تسبيح الكائنات العام الحقيقي وانقياد الوجود لخالقه ومعبوده:
يخبر الله جل ثناؤه أن السموات السبع والأرضين وما فيهن من الملائكة والإنس والجن والدواب، بل وسائر الجمادات والنباتات والذرات في هذا الكون الفسيح، تسبح لله وتقدسه بحمده تسبيحاً حقيقياً يليق بها؛ ولكن البشر لا يفقهون لغات تسبيحها لاختلاف الألسن والأفهام؛ خاتماً الآية بالحلم والمغفرة؛ حيث يمهل الغافلين والمشركين ولا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وسماع تسبيح الكون حولهم.
تفسير الطبري (14/ 486)مصدر غير محدد١٤/٤٨٦: يروي ابن جرير عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وعكرمة، والحسن: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}: تسبيح حقيقي؛ ويروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَأْكُلُ الطَّعَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ»، وروى أن الشجرة تسبح، والماء يسبح، وصريف الباب يسبح؛ {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}: أي ما من موجود جماد أو حيوان أو مدرك إلا يسبح بحمد الله، {وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}: لأنكم لا تعرفون لغاتهم وأصواتهم؛ {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا}: لا يعاجل بالعقوبة من أشرك به وترك تسبيحه، {غَفُورًا}: لمن تاب وأناب إليه.
تفسير ابن كثير (5/ 56)مصدر غير محدد٥/٥٦: يقرر ابن كثير أن تسبيح الكائنات تسبيح حقيقي نطقاً وحالاً لا مجرد دلالة حال كما زعم أهل الكلام؛ ويستشهد بأحاديث تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وحنين الجذع لما فارقه النبي، وجعل النهي عن قتل الضفدع لأن نقيقها تسبيح.
القرطبي (10/ 297)مصدر غير محدد١٠/٢٩٧: يرجح القرطبي مذهب جماهير أهل السنة وسلف الأمة أن كل شيء يسبح نطقاً بصوت يخلقه الله فيه، لقوله {لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}؛ فلو كان تسبيح دلالة وعبرة لفقهه الناس كلهم من خلال النظر في الصنعة؛ وإنما نفى الفقه عن حقيقة لغاتهم وأصواتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التسبيح بالحمد: الجمع بين التنزيه عن النقائص (التسبيح)، والثناء بصفات الجلال والجمال والإحسان (الحمد).
الشَّيْء: يقع على كل موجود، ثابتاً كان أو نامياً أو جماداً.
{تَسْبِيحَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
إعراب {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}:
{إِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{حَلِيمًا}: خبر كان أول منصوب.
{غَفُورًا}: خبر كان ثانٍ منصوب، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتساق الوجود في مواجهة نشاز الشرك: الآيات السابقة عرضت نشاز المشركين المعاندين في نفورهم من القرآن وزعمهم اتخاذ البنات والأنداد؛ فجاءت هذه الآية الكريمة لتكشف المشهد الكوني المهيب: الكون بأسره، بمجراته، وسمواته، وأرضه، وجماداته، خاضع مسبح بحمد الله؛ فالمشرك المعاند هو الكائن الوحيد الشاذ الخارج عن لحن الوجود المسبح.
براعة التذييل بـ {حَلِيمًا غَفُورًا}: تعقيب بالغ الدقة؛ فمع أن هذا الكون مسبح خاضع، والإنسان الكافر يبارز ربه بالشرك، فإن الله يحلم عليه ولا يأمر الأرض بابتلاعه ولا السماء برجمه، بل يفتح له باب المغفرة والتوبة إن أناب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسبيح الجمادات: أهو حقيقي أم مجرد لسان حال؟:
ذهب المعتزلة وبعض المتكلمين إلى أن تسبيح الجماد مجرد "لسان حال" أي دلالة خلقها على وجود الصانع وحكمته!
الرد السني والتحقيق العقلي واللغوي الدامغ:
صريح النص القرآني: قوله تعالى {وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} يبطل دعوى لسان الحال؛ لأن دلالة الجماد على الصانع يفقهها كل عاقل يتدبر الآيات؛ فلو كان التسبيح مجرد دلالة لما قال {لَّا تَفْقَهُونَ}؛ فنفي الفقه دليل على أنه تسبيح بلسان مقال لا ندركه نحن بنواميسنا البشرية.
الآثار النبوية الصحيحة: سماع الصحابة تسبيح الطعام وهو يؤكل، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ورد السلام من الحجر والشجر؛ كل هذا إثبات حسي لحقيقة النطق والتسبيح؛ والله على كل شيء قدير يخلق الإدراك والتسبيح في الجماد كيف يشاء دون مماثلة للبشر.
أسلوب الاستغراق بـ {إِن مِّن شَيْءٍ}: دخول {مِنْ} الزائدة على النكرة في سياق النفي يفيد نصية العموم القطعي؛ فلا يخرج من هذا التسبيح كوكب، ولا شجرة، ولا قطرة ماء، ولا إلكترون في مدار ذرة.
الالتفات في قوله {وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ}: التفات من ضمير الغيبة إلى الخطاب لمفاجأة السامعين بجهلهم وقصور مداركهم عن استيعاب أسرار هذا الوجود؛ مما يورث التواضع ونبذ الغرور العلمي.
الإشارة والتدبر: ما أقبح بالإنسان، وهو المكرم العاقل صاحب الفؤاد، أن يكون هو الكائن الوحيد الأخرس عن تسبيح ربه في موكب كوني عظيم تسبح فيه الحجارة والأشجار والطيور والسموات والأرض!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إيقاظ الإحساس الفطري بوحدة الوجود المسبح لرب العالمين، ودعوة الغافلين إلى الانسجام مع نواميس الكون بالإيمان والتوحيد.
التوجيه التربوي: احترام البيئة وموجودات الطبيعة؛ فالشجرة والحصاة والماء كائنات مسبحة بحمد الله، فلا يعبث بها المسلم إسرافاً أو تخريباً بغير مصلحة شرعية.
الأثر الوجداني: يذوب وجدان المؤمن خجلاً من ربه الحليم الغفور، ويلهج لسانه بالتسبيح والتحميد (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، متناغماً مع نبضات الكون وذرات الوجود.