مراقبة السرائر وبشارة التائبين الأوابين من بوادر الهفوات:
يخبر الله تبارك وتعالى بأنه عليم بما تكنه الصدور وتخفيه النفوس من النيات والمقاصد في بر الوالدين وسائر الطاعات؛ فإذا كان قصد العبد الصلاح والبر، ثم فرطت منه بادرة غضب أو زلة لسان دون قصد ثم أناب ورجع؛ فإن الله غفور تواب للأوابين الرجاعين إليه.
تفسير الطبري (14/ 446)مصدر غير محدد١٤/٤٤٦: يروي الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة وابن عباس ومجاهد: هو الرجل تكون منه البادرة أو البفوة إلى أبويه في غير تعمد ولا إساءة قلبية، فيندم ويستغفر الله ويرجع إلى برهما والإحسان إليهما؛ فالله أعلم بما في ضميره من إرادة الخير وبرهما، وهو للأوابين، أي: الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن المعصية إلى الطاعة، غفور رحيم.
تفسير ابن كثير (5/ 44)مصدر غير محدد٥/٤٤: يوضح الحافظ ابن كثير أن الأواب هو الرجاع المنيب؛ كما قال ابن عباس: «الأواب: المسبح»، وقال عبيد بن عمير: «الأواب: الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها»، وقال سعيد بن المسيب: «هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب».
القرطبي (10/ 260)مصدر غير محدد١٠/٢٦٠: يذكر القرطبي أن الآية تطمين للمؤمنين الذين يخشون مؤاخذة الله بما قد يقع في نفوسهم من التضجر القهري العارض الذي يدفعه الولد عن نفسه ولكن قد يغلبه في بعض الأحيان؛ فإذا كان أصل قلبه صالحاً رجاعاً غفر الله له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الأَوَّاب: صيغة مبالغة على وزن فَعَّال من آبَ يَئُوبُ أَوْباً وإِيَاباً، إذا رجع؛ فالأواب هو كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والذكر والمحاسبة كلما فرط منه ذنب.
{تَكُونُوا}: مضارع ناقص مجزوم بحذف النون في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها.
{صَالِحِينَ}: خبر {تَكُونُوا} منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً لاقتران الجواب بإن وأداة التوكيد.
{فَإِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الشأن (أو ضمير يعود على الله).
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{لِلْأَوَّابِينَ}: اللام حرف جر، {الأوابين}: مجرور بالياء متعلق بـ {غَفُورًا}.
{غَفُورًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة، وجملة كان في محل رفع خبر {إِنَّ}، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اللطف الإلهي وتسكين القلق: بعد التكليف الشديد في الآيتين السابقتين بالنهي حتى عن (أف) والأمر بخفض جناح الذل، قد يشعر الولد البار بضيق وخوف شديدين من أن تسبقه فلتة لسان أو حركة عارضة فيعذب؛ فجاءت هذه الآية بلسماً مسكناً للقلوب؛ تخبرهم بأن الله مطلع على طوايا القلوب، ويعلم صدق نياتهم، ويغفر الهفوات للأوابين المنيبين.
الشرط في {إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ}: قيد حاسم لبيان أن المغفرة ليست تبريراً للعقوق المتعمد المستمر؛ بل هي مشروطة بأن يكون الأصل هو الصلاح والاستقامة وإرادة البر.
قد يبتلى الإنسان بخواطر عارضة في نفسه تجاه والديه عند شدة التعب أو المرض فيخشى النفاق أو العقوق.
التحرير والتطمين القرآني: الله يعلم ما في النفوس وهو أرحم بعباده من أن يؤاخذهم بحديث النفس وخواطرها التي لم تستقر ولم تتحول إلى أفعال؛ كما صح في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»، فإذا صادفت النفس زلة فاستغفر وتاب، محا الله أثرها وغفر له سبحانه.
اسم التفضيل في {أَعْلَمُ}: إحاطة تامة بكل خفية وسريرة في الصدور لا يغيب عنها شيء.
التنكير في {غَفُورًا}: للتعظيم والسعة؛ أي غفوراً غفاراً لذنوب عباده الأوابين.
الإشارة والتدبر: ليس العيب ألا تزل، بل العيب أن تصر على الزلل؛ والعبد الصالح هو الذي كلما تعثر نهض مستغفراً أواباً، معترفاً بضعفه بين يدي ربه ومصلحاً لما فرط منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: فتح أبواب الرجاء للمستغفرين، وتبيين سعة عفو الله ورحمته حتى لا يقع المسلم في القنوط واليأس عند ارتكاب الهفوات.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على سرعة المبادرة إلى التوبة والاستغفار؛ وتطييب خاطر الوالدين فور حدوث أي سوء تفاهم عارض.
الأثر الوجداني: يغمر القلب طمأنينة ورجاء في حلم الله ومغفرته، وتتحرك الروح بالشوق إلى مقام "الأوابين" الذين أثنى الله عليهم في محكم تنزيله.