يوضح الله جل جلاله ناموساً اجتماعياً وحضارياً من نواميس سقوط الدول والحضارات؛ فإذا دنا أجل قرية وظلمت واستحقت الاستئصال، وجه الله أمره التكليفي بطاعته إلى رؤسائها ومترفيها فتمردوا وعصوا وفسقوا فيها، فاستوجبوا نزول العذاب القدري عليهم، فدمرها الله تدميراً كاملاً.
تفسير الطبري (14/ 426)مصدر غير محدد١٤/٤٢٦: يروي الطبري عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن ومجاهد في توجيه قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}:
القراءة المتواترة المشهورة: {أَمَرْنَا} بتخفيف الميم؛ ومعناها: أمرناهم بالطاعة والتوحيد والعدل على ألسنة رسلنا، فعصوا وفسقوا فاستحقوا الهلاك. وقيل: أمرنا مترفيها قدراً؛ أي خلينا بينهم وبين شهواتهم.
وقرأ ابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير: {أَمَّرْنَا} بتشديد الميم؛ أي جعلناهم أمراء وولاة وسلطناهم، فلما تولوا أفسدوا وظلموا، وإذا تولى الفاسق دمر البلاد والعباد.
وقرأ يعقوب والحسن في رواية: {آمَرْنَا} بالمد، أي كثّرنا مترفيها فكثر عددهم وفسقهم.
تفسير ابن كثير (5/ 37)مصدر غير محدد٥/٣٧: يقرر الحافظ ابن كثير تنزيه الله تبارك وتعالى عن الأمر بالفحشاء والفسوق؛ لقوله الصريح: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}، فالأمر هنا هو الأمر الشرعي بالطاعات، فعصوا، أو هو الأمر الكوني القدري الذي لا يعصى، أو تسليط الأشرار ليكونوا قادة بسبب سكوت العامة عن المنكر.
القرطبي (10/ 243)مصدر غير محدد١٠/٢٤٣: يذكر القرطبي أن المترفين هم أهل النعمة والبطر والرياسة والمال الذين أبطرتهم الدنيا وأعمتهم عن اتباع الحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المُتْرَف: الذي أبطرته النعمة ووسعت عليه الدنيا فاسترسل في شهواته ولذاته حتى طغى، من التَّرَف وهو التنعم الزائد المؤدي إلى الفساد الأخلاقي.
الفسوق: الخروج عن طاعة الله وعن حدود الشرع والعقل، وأصله خروج الرطبة من قشرتها؛ فالفاسق خرج من حصن الشريعة إلى عراء المعصية.
التدمير: الإهلاك المستأصل والإسقاط للبنيان، دمر عليه إذا أهلك كل ما يملكه.
إعراب {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً}:
الواو استئنافية، {إِذَا}: ظرف زمان شرطي غير جازم.
{أَرَدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ {إِذَا}.
الفاء عاطفة سببية، {حَقَّ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{عَلَيْهَا}: متعلق بـ {حَقَّ}.
{الْقَوْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة (وهو كلمة العذاب وقضاؤه).
{فَدَمَّرْنَاهَا}: الفاء عاطفة، دمرنا فعل وفاعل ومفعول.
{تَدْمِيرًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة لتأكيد استئصال الهلاك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآية إرسال الرسل السابقة: لما قررت الآية السابقة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، بينت هذه الآية كيفية نزول العذاب بعد بعثة الرسول؛ فالرسول يأمر وينهى، ولكن طبقة المترفين المستكبرين تقود حركة التمرد والفسوق وتتبعها العامة، فيحل بهم العذاب الاستئصالي جميعاً.
الفاء التعقيبية المتكررة:
{فَفَسَقُوا}: ترتب الفسوق سريعاً على إبطار النعمة ومخالفة الأمر.
{فَحَقَّ}: ترتب وجوب العذاب على استقرار الفسوق.
{فَدَمَّرْنَاهَا}: ترتب الهلاك الساحق على وجوب القول.
تخصيص المترفين بالذكر: لأن طبقة المترفين وأرباب الأموال الفاسدة هم في الغالب قادة التمرد ومروجو الفواحش في المجتمعات؛ فإذا فسد رأس الهرم الاجتماعي سرى الفساد في جسد الأمة كله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إيهام أن الله يأمر بالفسوق في قوله {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا}:
كيف يقول {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا} وظاهره يوهم أنه أمرهم بالفسق ليعذبهم؟!
البرهان والرد السني الحاسم: هذا وهم ساقط تدفعه أصول الشريعة وقواعد اللغة؛ وله في لسان العرب وجوه محكمة:
حذف مفعول الأمر لدلالة السياق؛ أي: أمرنا مترفيها بالطاعة والعدل ونهاهم عن الظلم، فعصوا وفسقوا؛ كقولك: (أمرتُ فلاناً فشتمني)؛ أي أمرته بالخير فعقني وقابل أمري بالشتيمة.
الأمر هنا بمعنى التمليك والإمارة على قراءة {أَمَّرْنَا} بالتشديد؛ أي جعلناهم قادة ورؤساء فاستغلوا سلطانهم في الفسوق والظلم.
الأمر الكوني القدري بالتخلية بينهم وبين شهواتهم حين أصروا على الكفر؛ فالله لا يأمر بالفحشاء شرعاً قط، بل ينهى عنها كما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ... وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ}.
المفعول المطلق {تَدْمِيرًا}: تأكيد لفظي يدل على شمول الهلاك وتفتيت بنيان القوم حتى لا يبقى منه أثر.
المجاز في {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ}: القول هو حكم العذاب؛ جعله كأنه ذات تحل عليهم وتلزمهم لزوماً لا فكاك منه.
الإشارة والتدبر: الترف المادي إذا خلا من الإيمان والرقابة هو مسمار النعش في جسد الحضارات؛ فحين تصبح الشهوات هي الحاكمة، ويتحكم الفاسقون في مقدرات الشعوب، ينبغي للأمة أن تنتظر سنة الله في التدمير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: محاربة الفساد الأخلاقي والمالي ورفض تسلط المترفين؛ وواجب العلماء والمصلحين الأخذ على أيدي السفهاء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ لئلا يعم الهلاك الجميع.
التوجيه التربوي: الحذر من الانغماس في الترف والتبذير ومجاراة أهل البطر؛ فإن الاستغراق في الملذات يبلد الإحساس الإيماني ويفسد المروءة.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً على مجتمعه وأمته من عواقب الفسوق والسكوت على المنكرات، ويلح على ربه بالدعاء لإصلاح أحوال المسلمين.