تحدي المشركين بإثبات عجز آلهتهم المدعوة من دون الله عن جلب النفع أو دفع الضر:
يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بتحدي المشركين الذين يعبدون غير الله (من الملائكة، أو الأنبياء كعيسى وعزير، أو الجن، أو الأصنام)؛ قل لهم: ادعوا أولئك الذين زعمتم أنهم آلهة أو شفعاء عند نزول البلاء والضر بكم، واطلبوا منهم إغاثتكم؛ فإنهم عبيد عاجزون لا يملكون كشف الضر عنكم بإزالته ورفعه، ولا يملكون تحويله من حال إلى حال، ولا من شخص إلى آخر، ولا من مكان إلى مكان؛ فالقادر على الضر والنفع وكشف البلوى هو الله وحده لا شريك له.
تفسير الطبري (14/ 516)مصدر غير محدد١٤/٥١٦: يروي الطبري عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومجاهد: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم أولئك النفر من الجن وبقي الإنس يعبدونهم ولا يشعرون بإسلامهم؛ وقيل: نزلت فيمن كان يعبد الملائكة أو المسيح ابن مريم أو عزيراً؛ {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ}: أي ادعوهم في شدائدكم ليكشفوا عنكم الضر؛ {فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ}: لا يقدرون على إزالة المرض والفقر والقحط والبلاء، {وَلَا تَحْوِيلًا}: ولا يقدرون على تحويل الضر من السقيم إلى الصحيح، أو من الضعيف إلى القوي، أو نقله من حال البؤس إلى حال الرخاء؛ لأن الملك لله وحده.
تفسير ابن كثير (5/ 63)مصدر غير محدد٥/٦٣: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية برهان ساطع على بطلان الشرك بالصالحين والملائكة والجن فضلاً عن الجمادات؛ ويستشهد بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين في قوله: «كَانَ نَاسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاساً مِنَ الجِنِّ، فَأَسْلَمَ الجِنُّ، وَتَمَسَّكَ هَؤُلاَءِ بِدِينِهِمْ»؛ فالمعبودون أنفسهم عباد مفتقرون إلى الله، فكيف يدعون مع الله؟!
القرطبي (10/ 316)مصدر غير محدد١٠/٣١٦: يذكر القرطبي أن الآية تقطع كل تعلق بغير الله في طلب الحوائج وكشف الكربات؛ فالكشف هو الإزالة التامة، والتحويل هو النقل والتغيير، وكلاهما منتفٍ عن كل من سوى الله تعالى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الزَّعْم: القول المشكوك فيه أو الباطل، ويستعمل غالباً فيما لا حقيقة له ولا برهان؛ زَعَمَ يَزْعُمُ زَعْماً.
الضُّرّ: بضم الضاد، هو الأذى والبلاء في البدن والنفس كالأمراض والمصائب والفقر؛ وضده النفع.
التَّحْوِيل: النقل والتغيير من حال إلى حال أو من موضع إلى موضع؛ حوّل الشيء إذا نقله وغيره.
{كَشْفَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
{الضُّرِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{عَنكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {كَشْفَ}.
{وَلَا}: الواو عاطفة، {لَا}: لتأكيد النفي.
{تَحْوِيلًا}: معطوف على {كَشْفَ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط سائر المعبودات بعد تقرير التوحيد: بعد أن أثبت الله عظمته وتفضيله لرسله، وجّه الخطاب الحاسم للمشركين بأن يعرضوا آلهتهم على محك الاختبار العملي عند نزول الكوارث والمصائب؛ ليتبين لكل ذي عقل خلوها التام من أي ذرة من الملك والتأثير.
تحويله وتخفيفه أو نقله إلى غيرهم: {وَلَا تَحْوِيلًا}.
فإذا كانت هذه الآلهة لا تملك الإزالة التامة، ولا تملك حتى التخفيف أو التحويل الجزئي، فعبادتها عين السفه والضلال.
التمهيد لكشف حقيقة هؤلاء المدعوين في الآية اللاحقة: مهد هذا النفي القاطع لقوله في الآية (57): {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ}؛ لبيان أن الصالحين أنفسهم خائفون راجون مفتقرون إلى رحمة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
يظن بعض الجهال والقبوريين أن الصالحين والأولياء والملائكة يملكون بعد موتهم أو غيبتهم كشف الكربات وإغاثة الملهوفين وإعطاء الذرية!
المحاكمة التوحيدية الصارمة ودفع الشرك:
الآية نص قطعي في إبطال دعاء الصالحين والغائبين لكشف الضر أو تحويله؛ لأن الآية نزلت فيمن كان يدعو عزيراً والمسيح والملائكة والجن الصالحين، وسماهم الله {الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ}، ثم نفى عنهم نفي ملك قطعي: {فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}؛ فالدعاء عبادة محضة لا تصرف إلا لله الحي القيوم، ومن دعا ميتاً أو غائباً لكشف مرض أو جلب رزق فقد وقع في صميم الشرك الذي حذر منه القرآن وناظر فيه المشركين.
أسلوب التعجيز في فعل الأمر {ادْعُوا}: أمر تعجيز وفضيحة؛ كأنه يقول لهم: جربوا وادعوهم بكل ما أوتيتم من قوة عند المرض والغرق ونزول البلاء، وسترون عجزهم التام وانعدام إجابتهم.
حذف مفعولي {زَعَمْتُم}: إشعار بسقوط هذا الزعم وتفاهته؛ حتى كأن اللسان القرآني ينزه نفسه عن التصريح بباطلهم المفتري.
الإشارة والتدبر: إذا مسك الضر فلذ بجناب الإله الواحد الصمد؛ فكل الأبواب موصدة إلا بابه، وكل المخلوقين فقراء عجزة يرجون رحمته ويخافون عذابه؛ فإياك أن تشتت قلبك بين المخلوقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: حماية جناب التوحيد وتطهير الأمة من مظاهر الشرك والتعلق بغير الله من الأولياء والأضرحة والتمائم؛ وتربية الناس على التوكل المحض على الله.
التوجيه التربوي: غرس الالتجاء إلى الله في الأزمات والشدائد؛ وتعليم الناشئة حديث ابن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ».
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن يقيناً وعزة وتوحيداً، مستشعراً قوله تعالى في سورة يونس: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}، فلا يرجو سواه ولا يلتجئ لغيره في ليل أو نهار.