يأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالنظر والاعتبار والتعجب من حال هؤلاء المشركين؛ كيف ضربوا له الصفات المتناقضة والأمثال الباطلة؛ فتارة يقولون: ساحر، وتارة: مسحور، وتارة: شاعر، وتارة: كاهن، وتارة: مجنون؛ فضلوا ضلالاً بعيداً بهذا التخبط، وعجزوا عن الاهتداء إلى مسلك حق يثبتون عليه، وانسدت في وجوههم كل سبل الحجة والبرهان.
تفسير الطبري (14/ 499)مصدر غير محدد١٤/٤٩٩: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}: أي انظر يا محمد كيف مثلوا لك الأمثال، وشبهوك بالساحر والشاعر والكاهن والمجنون، {فَضَلُّوا}: فجاروا عن قصد السبيل وجانبوا الحق، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}: لا يقدرون على مخرج ولا يجدون حجة ولا حيلة يتخلصون بها، ولا يهتدون إلى طريق الهدى لفرط عنادهم وحيرتهم.
تفسير ابن كثير (5/ 59)مصدر غير محدد٥/٥٩: يقرر الحافظ ابن كثير أن ضربهم الأمثال كان تخبطاً باطلاً يكذب بعضه بعضاً؛ فالساحر غير المسحور، والمجنون غير الشاعر؛ واضطراب قولهم دليل قاطع على كذبهم؛ ولذلك ضلوا عن الحق ولن يستطيعوا إلى الهدى سبيلاً، ولا إلى دفع حجتك برهاناً.
القرطبي (10/ 304)مصدر غير محدد١٠/٣٠٤: يذكر القرطبي أن النظر هنا نظر قلب وبصيرة واعتبار؛ والسبيل المنفي هو طريق الهدى والنجاة؛ أو طريق الطعن الصادق الذي تثبت به حجة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ضَرَبُوا الأمثال: الضرب هنا بمعنى التشبيه والتمثيل وإلصاق الصفات، من قولهم: ضرب له مثلاً إذا شبهه بحال معينة.
السَّبِيل: الطريق والمسلك؛ والمراد به هنا: طريق الهدى، أو سبيل الحجة الدامغة، أو المخرج من الحيرة والتخبط.
إعراب {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ}:
{انظُرْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل ضربوا، وعُلّق فعل النظر عن العمل لوجود الاستفهام.
{ضَرَبُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلق بـ {ضَرَبُوا}.
{الْأَمْثَالَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كيف ضربوا في محل نصب سدت مسد مفعولي نظر القلبية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعقيب الحاسم على مقالات المشركين: بعد أن كشف في الآية السابقة بهتانهم بوصفه "مسحوراً"، جاء هذا التوجيه الإلهي للنبي والمؤمنين بالنظر في هذه الظاهرة النفسية والعقلية للمكذبين؛ لإدراك أن هذا التخبط هو سمة الباطل المهزوم.
التمهيد لشبهتهم القادمة في البعث: لما فضح اضطرابهم في شأن الرسالة والنبوة، انتقل في الآية التالية (49) ليعرض شبهتهم الكبرى في ركن الإيمان الآخر وهو البعث بعد الموت: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قانون التناقض كدليل على بطلان المذهب:
كيف يثبت القرآن بطلان دعاوى المشركين بمجرد استعراض تناقض أوصافهم للنبي صلى الله عليه وسلم؟
المحاكمة المنطقية الرصينة:
الحق واحد متسق متماسك لا تناقض فيه؛ أما الباطل فيتعدد ويتعارض؛ فإذا اجتمع الكفار في دار الندوة فخرج هذا يقول: كاهن، والآخر يقول: ساحر، والثالث يقول: شاعر، والرابع يقول: مجنون، فهذا التضارب بحد ذاته برهان قاطع على أنهم كذبة بهاتون؛ لأن هذه الأوصاف متباينة مانعة للجمع؛ فالكاهن له سجع خاص، والشاعر له أوزان وقوافٍ، والمجنون فاقد للوعي والتنسيق، والساحر مخادع محتال؛ والقرآن العظيم والنبي الكريم منزه عن كل هذه النقائص؛ فضلالهم نابع من عجزهم عن تحديد مطعن حقيقي في شخصه ورسالته.
الأمر بـ {انظُرْ} واستعمال اسم الاستفهام {كَيْفَ}: لإثارة الدهشة والتعجب؛ فالمنظر جدير بالتأمل والاستبصار في كيفية انحدار العقل البشري عندما يبتعد عن نور الوحي.
التنكير في {سَبِيلًا}: لإفادة العموم والشمول؛ أي لا يستطيعون أي سبيل من سبل النجاة، أو سبل الحجة، أو سبل الخروج من ورطة التكذيب.
الإشارة والتدبر: كل من حارب الحق أو عادى دعوة الله سيبتليه الله بالحيرة والتخبط؛ وسترى كلماته متناقضة وأحكامه مضطربة؛ فالحق أبلج والباطل لجلج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: عدم الانزعاج من كثرة الشبهات وتنوع الاتهامات الموجهة للإسلام؛ بل دراستها وتبيين تناقضها للرأي العام؛ فإن تناقض أعداء الدعوة هو أعظم سلاح لهدم باطلهم.
التوجيه التربوي: تدريب العقول على التفكير المنطقي المتسق، والابتعاد عن التخبط وإطلاق الأحكام الجزافية المبنية على الخصومة والهوى.
الأثر الوجداني: يزداد المؤمن يقيناً واعتزازاً بصدق نبيه صلى الله عليه وسلم وشرف رسالته؛ وينظر إلى الخصوم بعين الرثاء لحيرتهم وضلالهم، حامداً الله الذي هداه لهذا الصراط المستقيم وما كان ليهتدي لولا أن هداه الله.