سبب النزول ودفع شبهة تعدد الأسماء وأدب القراءة في الصلاة:
أخرج الإمام الترمذي في جامعه (رقم 3146) وصححه، وابن جرير في تفسيره (ج15، ص188) من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بمكة فيقول في سجوده: يا الله، يا رحمن! فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين! فأنزل الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ}".
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (رقم 4722) ومسلم في صحيحه (رقم 446) عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا} قال: "نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ بمكة؛ فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به؛ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ}: فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}: عن أصحابك فلا تسمعهم، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا}: أسمعهم ولا تجهر حتى يسمع المشركون".
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص132): "أي ليس التعدد في الأسماء تعدداً في المسمى؛ بل هو سبحانه واحد أحد، صمد فرد، وله الأسماء الحسنى الدالة على كمال صفاته ونعوته؛ فبأي اسم دعوتموه فهو هو تبارك وتعالى. وأما أدب الصلاة، فهو الاعتدال والتوسط بين الجهر المفضي إلى التشويش وإيذاء السامعين والمخافتة التي تذهب بالفائدة وسماع المأمومين".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص346): "قوله: {فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} دليل على جواز دعاء الله بأي اسم من أسمائه الثابتة في الشرع، والحسنى تأنيث الأحسن؛ أي الأسماء البالغة الغاية في الحسن والجلال. وقوله في الصلاة: توسط عدل بين الإفراط والتفريط".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص346)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٤٦*تفسيره* (ج15، ص188)مصدر غير محدد١٥/١٨٨*تفسيره* (ج5، ص132)مصدر غير محدد٥/١٣٢*جامعه* (رقم 3146)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٤٦*صحيحه* (رقم 4722)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٢٢*صحيحه* (رقم 446)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ}: قل فعل أمر، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين، وادعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والدعاء هنا يتضمن دعاء العبادة ودعاء المسألة والتسمية.
{أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ}: أو حرف عطف للتخيير، وادعوا فعل أمر والواو فاعل، والرحمن مفعول به، وهو اسم مختص بالله لا يطلق على غيره.
{أَيًّا مَّا تَدْعُوا}: أياً اسم شرط جازم منصوب بالفتحة مفعول به مقدم لتدعوا، وما زائدة لتوكيد الإبهام والتعميم، وتدعوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل.
{فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، وله جار ومجرور خبر مقدم، والأسماء مبتدأ مؤخر، والحسنى نعت للأسماء مرفوع بالضمة المقدرة، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.
{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ}: الواو عاطفة، لا ناهية جازمة وتجهر فعل مضارع مجزوم وفاعله مستتر، بصلاتك جار ومجرور متعلق بتجهر؛ والمراد بالصلاة هنا قراءة الصلاة أو الدعاء فيها.
{وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}: معطوف على ما قبله مجزوم، والمخافتة: خفض الصوت حتى يكاد لا يسمعه أحد، من الخفت وهو السكون والانخفاض.
{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا}: الواو عاطفة، وابتغ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر، وبين ظرف مكان متعلق بابتغ، وذلك مضاف إليه، وسبيلاً مفعول به؛ أي: اطلب طريقاً وسطاً بين الجهر المفرط والمخافتة التامة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار الموضوعي للسورة:
تصحيح العقيدة وتصحيح العبادة في آية واحدة: الآية تعالج جانبين جوهريين في الدين:
الجانب العقائدي: توحيد الذات ونفي التعدد الناشئ عن تعدد الأسماء الحسنى.
الجانب السلوكي والعبادي: توجيه هيئة الصلاة والدعاء نحو الوسطية والاعتدال وحماية حرمة الدين من استهزاء المشركين.
التناسب مع واقع الاستضعاف بمكة: الآية تعكس فقه الموازنات في المرحلة المكية؛ فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بالبلاغ، كان مأموراً أيضاً بألا يستفز المشركين جهراً في صلاته فيتسبب في سبهم لكلام الله.
التمهيد لمسك ختام السورة في الآية اللاحقة التي تعلن التوحيد الخالص بالحمد والتكبير ونفي الولد والشريك والولي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جهل المشركين جعلهم يظنون أن كل اسم إلهي يدل على ذات مستقلة، فقاسوا أسماء الله على أصنامهم المتعددة (اللات، والعزى، ومناة).
البرهان العقلي: الأسماء الحسنى ألفاظ متعددة تدل على مسمى واحد أحد؛ فالله هو الرحمن وهو الرحيم وهو الملك وهو القدوس؛ كما يقال للإنسان الواحد: فلان هو الطبيب والأستاذ والمهندس والأب والكريم؛ فتعدد أوصافه وأسمائه لا يجعله أشخاصاً متعددين، بل يدل على كمال خصاله؛ ولله المثل الأعلى فأسماؤه أعلام وأوصاف مشتقة من كمالات أسمائه وصفاته المطلقة.
أسلوب الشرط بالعموم في {أَيًّا مَّا تَدْعُوا}: دلالة على سعة الفضل والرحمة، وأن أي اسم دعوته به من أسمائه الحسنى استجاب لك؛ لأن المرجع لذات الإله الحق الواحد.
الطباق المقترن بالوسطية: بين {تَجْهَرْ} و{تُخَافِتْ}، ثم حسم الموقف بالأمر بالتوسط: {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا}، وهي قاعدة القرآن الكبرى في كل تشريعاته: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
الإشارة والتدبر: أدب المناجاة مع الله يستلزم حضور القلب وخفض الجناح؛ فالصوت الصاخب في الدعاء سوء أدب، والمخافتة التي تضيع المعنى تفريط؛ وخير الأمور أوسطها، وأحب العبادة إلى الله ما صفا فيها القلب واستقامت فيها الجوارح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إدراك فقه المآلات والموازنات؛ فالداعية قد يمسك عن إظهار بعض العبادات جهاراً إذا كان الجهر بها يترتب عليه مفسدة أكبر كسب الدين أو إيذاء المستضعفين.
التوجيه التربوي: تعويد المسلم على التوسط في الصوت وحركات العبادة في صلاته ودعائه، والتأدب بأسماء الله الحسنى ودعائه بها في كل حال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا}.
الأثر الوجداني: يطمئن قلب المؤمن بأن ربه رحمن رحيم، قريب سميع، يسمع خفقات القلوب قبل نطق الألسن، فيناجيه بأسمائه الحسنى مناجاة المحب الخاضع المنكسر بين يديه.