حقيقة الوسيلة الشرعية وخضوع الصالحين والملائكة والأنبياء لله بالخوف والرجاء:
يبين الحق سبحانه وتعالى حال أولئك الذين يعبدهم المشركون من دون الله (كالملائكة، والمسيح، وعزير، والصالحين من الجن)؛ مبيناً أن هؤلاء المعبودين أنفسهم عباد مفتقرون خاضعون لله؛ يطلبون القربة والزلفى إلى ربهم بالطاعات وصالح الأعمال (الوسيلة)، ويتسابقون أيهم يكون أشد قرباً ومحبة لله، ويرجون رحمته وفضله، ويخشون بطشه وعذابه؛ فإن كان هؤلاء المقربون يخافون عذاب الله ويرجون رحمته ويسعون في التقرب إليه، فكيف تعبدونهم من دون الله؟! إن عذاب ربك جدير بأن يحذره كل عاقل ويتقيه.
تفسير الطبري (14/ 518)مصدر غير محدد١٤/٥١٨: يروي الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ}: قال: «كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم أولئك النفر من الجن، وتمسك الإنس بعبادتهم، فأنزل الله هذه الآية؛ أي أن الجن الذين كنتم تعبدونهم صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة بالطاعة والإسلام»، ويروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن: «هم عيسى وأمه، وعزير، والشمس، والقمر، والملائكة؛ يبتغون إلى ربهم الوسيلة: القربة والعمل الصالح، {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}: يبتغي كل واحد منهم أن يكون أقرب إلى الله من صاحبه بطاعته، {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}: هؤلاء عباد الله المطيعون الخائفون، فكيف تعبدونهم مع الله؟!».
تفسير ابن كثير (5/ 64)مصدر غير محدد٥/٦٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن العبادة لا تصلح إلا لمن لا يفتقر إلى غيره؛ وأما هؤلاء المقربون فهم عبيد فقراء يتقربون إلى الله بالطاعات ويسألونه الفضل ويخافون سطوته؛ والوسيلة في لغة القرآن هي القربة إلى الله بالأعمال الصالحة المفروضة والمستحبة كما قال في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
القرطبي (10/ 318)مصدر غير محدد١٠/٣١٨: يوضح القرطبي أن الآية أصل عظيم في أن حقيقة الوسيلة هي التوسل إلى الله بأسمائه، وصفاته، وطاعته، وصالح الأعمال؛ وأن تعليق الرجاء والخوف بهما قوام العبودية الجامعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الوَسِيلَة: القربة والزلفة والمنزلة التي يُتوصل بها إلى رضا الله؛ من وسَلَ إليه إذا تقرب إليه بعمل صالح.
مَحْذُورًا: اسم مفعول من حَذِرَ؛ أي حقيقاً بأن يُحذر ويُتقى ويُخاف منه لعظمته وشدة بأسه.
{يَبْتَغُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {أُولَٰئِكَ} (إذا كان الذين نعتاً أو بدلاً) أو حال.
{إِلَىٰ رَبِّهِمُ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَبْتَغُونَ}، وهم مضاف إليه.
{الْوَسِيلَةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
إعراب {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}:
{أَيُّهُمْ}: اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
{أَقْرَبُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة الاستفهامية في موضع نصب بـ {يَبْتَغُونَ} علق عنها، أو بدل من الواو في {يَبْتَغُونَ}، أو التقدير: ينظرون أيهم أقرب فيقتدون به.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {عَذَابَ}: اسم {إِنَّ} منصوب، و{رَبِّكَ} مضاف إليه.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر هو.
{مَحْذُورًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال الشرك من جهة حال المعبودين: في الآية السابقة قرر عجزهم العملي عن كشف الضر أو تحويله؛ وهنا يكشف حقيقة ذواتهم النفسية والروحية؛ فهم ليسوا أرباباً ولا متصرفين، بل هم عباد خائفون وجلون، يتسابقون في التقرب إلى الله؛ فكيف يعبد العاجز عاجزاً مثله؟!
الجمع بين أركان العبادة القلبية الثلاثة (الحب والخوف والرجاء):
الحب والقربة: {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}.
الرجاء والطمع في الفضل: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}.
الخوف والوجل: {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}.
فأرست الآية الميزان التعبدي السليم الذي كان عليه الأنبياء والصالحون.
التعليل المحكم للوجل: ختم الآية بـ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}؛ لبيان أن عذاب الله هائل مخيف، لا يأمنه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فكيف يأمنه المشرك العاصي المستكبر؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تحريف معنى "الوسيلة" إلى التوسل الشركي بذوات المخلوقين:
يحاول بعض القبوريين والمبتدعة الاستدلال بلفظ {الْوَسِيلَةَ} على جواز الاستغاثة بالأموات، أو التوسل بجاه الأشخاص ودعائهم من دون الله!
التحرير السني القاطع والرد اللغوي والتفسيري الصريح:
الآية نزلت أصلاً لـ "إبطال" دعاء الصالحين وعزير والمسيح؛ فكيف يُستدل بآية تنقض الشرك على إثبات الشرك؟! والوسيلة في لغة العرب وكلام السلف هي: العمل الصالح الذي يقرب إلى الله؛ فقوله: {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} فاعلها هم الصالحون أنفسهم (المسيح والملائكة)، والمعنى: هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويسألونه، ولم يقل: اتخذوهم وسائط وادعوهم؛ فالتوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته والإيمان به والعمل الصالح ودعاء الرجل الصالح الحي الحاضر؛ أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم فهو عين الشرك الأكبر الذي نزلت الآية لإبطاله ودحضه.
أسلوب التنافس في {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}: تصوير معجز لسباق الأولياء والملائكة إلى مرضاة الله؛ فليس بينهم خمول ولا اتكال، بل حرص دائم على مضاعفة القربات، كأنهم في حلبة سباق إيمانية نحو رضوان الله.
صيغة المفعول في {مَحْذُورًا}: تفيد أن عذاب الله من شأنه ومن طبيعته أن يُحذر ويُتقى بذاته؛ فلا يملك قلب يدرك جلال الله إلا أن يرتجف خوفاً من سطوته وعقابه.
الإشارة والتدبر: جناحا المؤمن في سيره إلى الله هما الخوف والرجاء، يقودهما رأس الطائر وهو الحب؛ فإذا طار العبد بهذين الجناحين وصل إلى منازل القرب؛ ومن عبد الله بالحب وحده ضل وتفلت، ومن عبده بالخوف وحده قنط ويئس، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد على نهج الأنبياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: توضيح المفاهيم الشرعية الصحيحة لمصطلح "الوسيلة" ودعوة الناس إلى التوسل المشروع بالعمل الصالح والاستغفار وتوحيد الله؛ وتحذيرهم من الشبهات الشركية المستترة خلف دعاوى محبة الصالحين.
التوجيه التربوي: غرس روح التنافس في الطاعات بين الطلاب وأفراد الأسرة؛ عملاً بقوله تعالى: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المسلم شوقاً إلى رحمة الله ورجاءً في جنته، مع وجل عظيم وخوف دائم من عذابه؛ فيلهج بالدعاء: "اللهم إني أسألك رحمتك وأعوذ بك من سخطك وعذابك".