يغلظ الله تبارك وتعالى في ذم التبذير وتبديد الأموال في غير مرضاة الله؛ مبيناً أن المنفقين أموالهم في الفساد والمعاصي والرياء إنما هم قرناء للشياطين وإخوان لهم في الطباع والمسلك والخسارة؛ لأن الشيطان رأس كل كفران لنعم الله وخروج عن طاعته.
تفسير الطبري (14/ 451)مصدر غير محدد١٤/٤٥١: يروي ابن جرير عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}: «أي قرناءهم وأشباهم في الشر والفساد؛ يتبعون ما تأمرهم به الشياطين من إنفاق الأموال في معاصي الله، وترك صلة الأرحام وحقوق المساكين»، {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}: أي جحوداً لنعم ربه، لا يشكر إحسانه، بل يدعو إلى معصيته وكفرانه، فمن أطاعه في تبذير ماله كان كفوراً لنعمة الله مثله.
تفسير ابن كثير (5/ 46)مصدر غير محدد٥/٤٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن إطلاق الأخوة هنا مجاز للمشاكلة والمقارنة في الطريقة والغاية؛ فالمبذر أخ للشيطان؛ لأن الشيطان يبذر وساوس الشر ويصرف الإنسان عن الخير إلى المهالك، فإذا وافقه الإنسان في تبديد نعمة المال صار من حزبه وقرنائه في النار.
القرطبي (10/ 264)مصدر غير محدد١٠/٢٦٤: يذكر القرطبي أن العرب تقول لكل من لازم طريقة شخص أو وافقه في عمله: هو أخوه؛ كقولهم: أخو السفر، وأخو الحرب، وأخو الكرم؛ فالمبذرون إخوان الشياطين لملازمتهم خطط الشيطان في إتلاف الأموال وجحود نعم المنعم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإخوان: جمع أخ، وتطلق الأخوة في لغة العرب على: أخوة النسب، وأخوة الدين، وأخوة الصداقة، وأخوة المشاكلة والموافقة في الطريقة والسلوك، وهي المرادة هنا.
الكفور: صيغة مبالغة على وزن فَعُول من الكفر والجحود، وهو المبالغ في جحود النعم وستر آلاء المنعم وتصريفها في مساخطه.
{الْمُبَذِّرِينَ}: اسم {إِنَّ} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو ضمير متصل اسمها.
{إِخْوَانَ}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الشَّيَاطِينِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}.
إعراب {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}:
الواو حالية أو تذييلية، {كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{الشَّيْطَانُ}: اسم {كَانَ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِرَبِّهِ}: اللام حرف جر لتقوية التعدية، {رَبِّهِ}: اسم مجرور، والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ {كَفُورًا}.
{كَفُورًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعليل والتشديد بعد النهي المباشر: لما نهى في الآية السابقة عن التبذير {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}، علل هنا هذا النهي بأقسى تنفير تقشعر منه النفوس المؤمنة؛ فبين أن التبذير ليس مجرد خطأ مالي أو سوء تصرف عابر، بل هو تحول خطير يجعل صاحبه في خندق الشياطين وإخوانهم.
المقابلة بين الشكر والكفران: ألمح النظم إلى أن صرف المال في حقه (للقربى والمسكين وابن السبيل) هو شكر حقيقي لنعمة الله، بينما صرفه في التبذير كفران لنعمة الله ومحاكاة للشيطان الكفور؛ فوضع المال في غير موضعه كفر بنعمة الغنى.
تقديم الجار والمجرور {لِرَبِّهِ}: لبيان فظاعة كفران الشيطان؛ فهو يجحد حق ربه وخالقه ومنعمه المتفرد بالفضل، فمن شابهه فقد ظلم ربه وخسر نفسه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشبيه بإخوان الشياطين وهل يخرج المبذر من الملة:
قد يستشكل ظاهر النص: هل وصف المبذر بأنه أخ للشيطان يوجب تكفيره وخروجه من الإسلام؟
البرهان والتحرير العقلي والشرعي: الإخوة هنا لا تعني الكفر المخرج من الملة بإجماع أهل السنة؛ وإنما هي استعارة تشبيهية تنفيرية لبيان عظم الإثم وشناعة المشابهة؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»؛ فالأخوة تفيد المطابقة في الصفة والاتباع للوسوسة، ولا تلزم الكفر الأكبر إلا إذا كان التبذير مستحلاً أو في نصرة الشرك ومحاربة الإسلام.
التشبيه البليغ في {إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}: حذف أداة التشبيه ووجه الشبه مبالغة في الاتحاد والاتفاق حتى كأنهم ولدوا من رحم شر واحد.
التذييل بـ {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}: لإبراز النتيجة الحتمية لمن يتخذ الشيطان خليلاً وقريناً؛ فلن يورثه إلا الجحود والخذلان.
الإشارة والتدبر: كل ريال ينفقه الإنسان في معصية أو مباهاة محرمة هو طاعة مباشرة للشيطان، وخيانة للأمانة المالية التي استخلفه الله عليها؛ والعاقل يستحي أن يكون جندياً في حزب إبليس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترشيد السلوك الاستهلاكي للمسلمين ومحاربة مظاهر البذخ والفخر والخيلاء في المجتمعات؛ وبيان أن حماية المال وحسن تدبيره عبادة تباعد بين العبد وبين الشياطين.
التوجيه التربوي: تنبيه الناشئة إلى خطورة تقليد عادات الترف الفاسدة؛ وتذكيرهم بأن العزة في التواضع وشكر النعم، لا في حرق الأموال لإرضاء نزوات النفس.
الأثر الوجداني: يستشعر المؤمن نفوراً واشمئزازاً من كل فعل يقربه من شبه الشياطين، ويحرص على أن تكون أمواله طاهرة مطهرة تصرف في مرضاة الله وبناء المجتمع.