الآيات الكونية الكبرى في تعاقب الليل والنهار وضبط الزمان:
يلفت الله تبارك وتعالى أبصار العباد وعقولهم إلى آيتين عظيمتين من آياته الكونية المشهودة الدالة على كمال قدرته، وحكمته، ورحمته؛ وهما الليل والنهار؛ حيث طمس نور آية الليل (القمر) وجعله مظلماً أو ذا نور هادئ للسكن، وجعل آية النهار (الشمس) مضيئة منيرة لطلب الرزق وتصريف المعاش، ومعرفة حساب الشهور والسنين.
تفسير الطبري (14/ 415)مصدر غير محدد١٤/٤١٥: يروي الطبري بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} قال: «آية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، وكان القمر يضيء كما تضيء الشمس، فمحا الله نوره وجعل فيه ذلك الطمس والسواد الذي ترونه، فجعل نوره هادئاً، وجعل الشمس سراجاً وهاجاً مضيئاً». وروى مثله عن قتادة، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك.
تفسير ابن كثير (5/ 31)مصدر غير محدد٥/٣١: يوضح الحافظ ابن كثير أن الله تعالى خلق الليل مظلماً ليسكن العباد فيه وتستريح أبدانهم من كد النهار، وخلق النهار منيراً مضيئاً لتبتصروا فيه مسالككم وتسعوا في كسب معائشكم وتجاراتكم؛ فلو كان الزمان كله ليلاً لما استطاعوا معاشاً، ولو كان كله نهاراً لما ذاقوا راحة، مع ما يحصل بتفاوت منازلهما من علم حساب الأيام والشهور والسنين.
القرطبي (10/ 234)مصدر غير محدد١٠/٢٣٤: يذكر القرطبي أن تعاقب الليل والنهار واختلاف نورهما دليل قاطع على الصانع الحكيم ووحدانيته، وأن قوله {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} إحكام لكل شأن من شؤون الخلق والشريعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
اللام لام التعليل، {تَبْتَغُوا}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بحذف النون، والواو فاعل.
والمصدر المؤول متعلق بـ {جَعَلْنَا}.
{فَضْلًا}: مفعول به منصوب (وهو الرزق والمعاش).
{مِّن رَّبِّكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف نعت لـ {فَضْلًا}.
{وَلِتَعْلَمُوا}: معطوف عليه، {عَدَدَ}: مفعول به منصوب، {السِّنِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{وَالْحِسَابَ}: معطوف على عدد منصوب.
إعراب {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}:
الواو استئنافية، {كُلَّ}: مفعول به مقدم منصوب لفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال (تقديره: وفصلنا كل شيء)، وهو مضاف.
{شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{فَصَّلْنَاهُ}: فعل ماض وفاعله نا ومفعوله الهاء، والجملة مفسرة لا محل لها.
{تَفْصِيلًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة لتأكيد الإتقان والبيان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من آيات الأنفس إلى آيات الآفاق: لما نبه على عجلة الإنسان وضعف بصيرته في دعائه وسلوكه، نقل الخطاب إلى الآيات الكونية الكبرى؛ ليرى الإنسان هذا النظام المحكم الرصين في دوران الفلك وتناسق الليل والنهار؛ ليعلم أن الذي أتقن هذا الكون الهائل لا يعجل كعجلة الإنسان، بل يدبر الأمور بمواقيت مقدرة وحساب دقيق.
الظلمة والهدوء للنوم والاستقرار، يقابلهما الضياء والحركة لابتغاء فضل الله.
الختام الجامع المحكم {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}: بيان لعموم الحكمة الإلهية في تدبير شؤون الدين والدنيا؛ فليس في خلق الله ولا في شريعته عبث ولا إبهام، بل كل أمر مبين ومفصل بحسب المصلحة العليا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعبير بـ {مُبْصِرَةً} لآية النهار مع كون النهار غير ذي عينين:
كيف يوصف النهار بأنه مبصر، والإبصار من صفات الأحياء ذوي العيون؟
السر البلاغي الإعجازي: هذا مجاز عقلي في غاية الروعة والبيان؛ أطلق الوصف (مبصرة) على الزمان أو الضوء مبالغة؛ لأنه سبب في إبصار الناس ومسيرهم؛ كأن النهار من فرط ضيائه ووضوحه ينير نفسه ويبصر ما فيه؛ ونظيره قولهم: (ليل نائم) و(نهار صائم)؛ فالأسلوب العربي الرفيع يسمو بالمعاني إلى ذروة التجسيد الفني المؤثر.
أسلوب الاشتغال في {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ}: تقديم المفعول لإفادة الشمول والإحاطة الكاملة، وتأكيده بالمصدر {تَفْصِيلًا} لإثبات العناية الربانية المطلقة بكل ذرة في الوجود.
الامتنان بـ {فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ}: إضافة الرب إلى كاف الخطاب تلطفاً وإشعاراً بأن سعي الإنسان في طلب المعاش إنما هو التماس لفضل ربه الذي سخر له الضياء والأسباب.
الإشارة والتدبر: تعاقب الأوقات والسنوات تذكير برحيل العمر؛ فكل يوم ينقضي هو جزء يقتطع من عمرك؛ وحساب السنين والأيام وضعه الله ليعلم العبد أنه موقوف ومحاسب على كل لحظة في حياته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: لفت عقول التائهين إلى عظمة الخلق ودقة النظام الكوني؛ فالشمس والقمر بحسبان، وتناسق الكون برهان ساطع على وحدانية الخالق وأنه لا شريك له في ملكه.
التوجيه التربوي: تربية الإنسان على احترام الوقت وتنظيم الحياة؛ فالليل للسكن والراحة، والنهار للعمل والإنتاج، واختلال هذا النظام الفطري يفسد صحة الأبدان وعمارة الأرض.
الأثر الوجداني: يلهج وجدان المسلم بالتسبيح والحمد حين يرى إشراقة الصباح وسكون الليل، مستشعراً فضل ربه الذي فصل كل شيء بحكمة وإحسان.