يخبر الله تبارك وتعالى عن يوم القيامة العظيم؛ حين يجمع الخلائق ويدعو كل أمة بجماعتهم وإمامهم الذي ائتموا به في الدنيا؛ إما بنبيهم وكتابهم وشريعتهم المنزلة فيكون إمام هدى، أو بكبرائهم وطواغيتهم الذين قادوهم إلى الكفر والضلال فيكون إمام ضلالة؛ فمن أوتي صحيفة أعماله بيمينه جزاء إيمانه وإحسانه، فأولئك السعداء يستبشرون ويقبلون على قراءة كتبهم فرحاً وفخراً برحمة الله وثوابه، ولا ينقصون من أجور حسناتهم مقدار خيط شق النواة (فتيلاً) لكمال عدل الله وفضله.
تفسير الطبري (14/ 553)مصدر غير محدد١٤/٥٥٣: يروي ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأبي العالية: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}: قال ابن عباس وقتادة: «بكتاب أعمالهم الذي فيه أعمالهم»، وقال مجاهد وأبو العالية: «بنبيّهم ورسولهم الذي بعث إليهم وكتابهم المنزل معهم»، وقيل: بإمامهم الذي ائتموا به في الخير والشر؛ فيقال: يا أتباع إبراهيم، يا أتباع موسى، يا أتباع محمد، ويا أتباع فرعون وأبي جهل؛ {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ}: يقرؤونه فرحين مسرورين كما قال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}، {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}: الفتيل هو الخيط الذي في شق النواة؛ أي لا ينقصون من أجورهم أدنى شيء.
تفسير ابن كثير (5/ 73)مصدر غير محدد٥/٧٣: يرجح الحافظ ابن كثير أن المراد بالإمام هو كتاب الأعمال الذي أحصيت فيه الحسنات والسيئات، كقوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ}؛ أو نبيهم الذي دُعوا بشريعته؛ ويستشهد بالحديث المتفق عليه في شأن النجوى وستر الله على عبده المؤمن حين يقرره بذنوبه ثم يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ»، فيعطى كتاب حسناته بيمينه.
القرطبي (10/ 343)مصدر غير محدد١٠/٣٤٣: يذكر القرطبي أن الفتيل هو الخيط الدقيق الذي يكون في بطن شق نواة التمر؛ والقطمير قشرتها، والنقير النكتة التي في ظهرها؛ وقد ضرب الله بها المثل في قلة الشيء ودقته لبيان تمام العدالة الإلهية ونفي الظلم جملة وتفصيلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإمَام: ما يؤتم به ويقتدى؛ ويطلق على النبي، والخليفة، وكتاب الأعمال، والشريعة، والقدوة في الخير أو الشر، وأصله من أَمَّ الشيء إذا قصده.
الفَتِيل: الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمرة؛ فَعِيل بمعنى مفعول من الفَتْل، وهو لوي الشيء.
{كِتَابَهُمْ}: مفعول به والهاء مضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ {أُولَٰئِكَ}، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.
الواو حالية أو عاطفة، {لَا}: نافية.
{يُظْلَمُونَ}: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
{فَتِيلًا}: نائب مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة (أي لا يظلمون ظلماً قدر فتيل)، أو مفعول به ثانٍ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآية التكريم: بعد أن بين في الآية السابقة تكريم بني آدم وتفضيلهم في دار التكليف، بين هنا مآل هذا التكريم في دار الجزاء؛ فالتكريم في الدنيا يترتب عليه الحساب الدقيق والمسؤولية التامة يوم القيامة؛ حيث يدعى كل إنسان بحسب من ائتم به وحمل لواءه.
الفرز الحاسم بين الأئمة: إشعار بأن البشر لا يحشرون أفراداً متناثرين، بل يحشر كل تيار ومذهب وأمة خلف قائدهم وإمامهم؛ فأهل السنة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل الطغيان خلف فراعنتهم وأئمة الكفر؛ ليتميز المعسكران تميزاً علنياً أمام الخلائق.
التمهيد لمصير المعاند الأعمى في الآية اللاحقة: لما ذكر الفائزين المستبشرين بكتبهم، ناسب أن يعقب في الآية (72) ببيان حال الشقي الأعمى عن الحق في الدنيا ومصيره في الآخرة: {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يقرأ السعيد كتابه ولا يقرأ الشقي كتابه؟:
نصت الآية على أن صاحب اليمين {يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ}، ولم تذكر قراءة أصحاب الشمال هنا!
السر البياني والنفسي:
صاحب اليمين يقرأ كتابه إقبالاً وفرحاً وتلذذاً برؤية حسناته ومغفرة سيئاته، وينادي الخلائق ليشاركوه الفرحة: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}؛ أما الشقي فيسود وجهه ويلقى كتابه وراء ظهره بشماله كراهية وخزياً ورعباً من قراءته، وإن قيل له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}؛ فحذف قراءته هنا احتقاراً لشأنه وإبرازاً لخزيه وانكساره.
إيثار التعبير بـ {بِيَمِينِهِ}: اليمين رمز للبركة، والقبول، والعزة، والتكريم؛ فأخذ الكتاب باليمين هو أول إعلان رسمي لبراءة العبد وفوزه برضوان الله.
الضرب بالأمثال المحسوسة في {فَتِيلًا}: استعمال ألفاظ البيئة الطبيعية (الفتيل، القطمير، النقير) لتقريب معاني العدل التام للعقول؛ فإذا كان الله لا يظلم خيط النواة التافه، فكيف يضيع عمل عامل أو يظلم إنساناً بمثقال ذرة؟!
الإشارة والتدبر: انظر من هو إمامك اليوم وقدوتك التي تتبعه في حركاتك وأفكارك وأخلاقك؟ هل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الأبرار، أم هم مشاهير الفسوق والمجون ودعاة التغريب؟! فاعلم أنك ستنادى باسمه غداً وستحشر في زمرته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الجماهير بالقدوة المحمدية الراشدة؛ والتحذير من أئمة الضلال والإعلام الفاسد الذين يوردون أتباعهم موارد الهلاك في جهنم.
التوجيه التربوي: غرس مراقبة كتاب الأعمال في قلوب الناشئة؛ وتذكيرهم بأن كل كلمة وفعل يُسطر في كتاب سيُعرض عليهم غداً، فليملأ كل امرئ صحيفته بما يسره أن يراه.