يقرر الحق تبارك وتعالى سعة ربوبيته وعموم رزقه في دار الدنيا لجميع خلقه؛ فالبر والفاجر، والمؤمن والكافر، وطالب الدنيا وطالب الآخرة؛ كلهم يتقلبون في فيض الرزق الإلهي والإمداد بالنعم في الصحة والقوة والمال؛ لأن العطاء الدنيوي دار ابتلاء لا دار جزاء، ولا يحظر الله رزقه الدنيوي عن كافر لكفره، ولا يمنعه عن عاصٍ لعصيانه في هذه الحياة.
تفسير الطبري (14/ 436)مصدر غير محدد١٤/٤٣٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والضحاك والحسن: كلا الفريقين نمدهم يا محمد برزقنا في الدنيا، هؤلاء الذين يريدون العاجلة وهؤلاء الذين يريدون الآخرة؛ فنرزق الفريقين جميعاً من عطاء ربك في الدنيا، وما كان رزق ربك ممنوعاً ولا مقطوعاً عن بر ولا فاجر في هذه الحياة الدنيا.
تفسير ابن كثير (5/ 40)مصدر غير محدد٥/٤٠: يوضح الحافظ ابن كثير أن العطاء المذكور هنا هو العطاء الدنيوي الذي يقتضيه قيام الخلق في دار التكليف؛ فالله تعالى هو المتصرف الحاكم الذي يعطي في الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يمنع رزقه عن أحد؛ كما ثبت في الصحيحين: «لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ».
القرطبي (10/ 250)مصدر غير محدد١٠/٢٥٠: يذكر القرطبي أن الحظر هو المنع والحبس؛ فليس أحد يقدر على حظر عطاء الله وفضله في خلقه، وسنة الله اقتضت إمهال العصاة وإسباغ النعم عليهم حجة واستدراجاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإمداد: الإعطاء المتواصل المتتابع شيئاً بعد شيء، من المَدّ وهو الزيادة والاتصال.
المَحْظُور: الممنوع المحبوس، من الحَظْر وهو المنع والحجر، وحظيرة الغنم سُميت بذلك لأنها تمنع الماشية من الخروج وتحميها من السباع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة التوهم وتقرير سعة الرزق: لما فصل في الآيتين السابقتين مصير مريد الدنيا ومصير مريد الآخرة، قد يتوهم واهم أن الله يقطع أسباب الرزق الدنيوي عن الكافر فوراً أو يقصره على المؤمن؛ فجاءت هذه الآية لتقرر أن الدنيا دار ابتلاء يتسع فيها الرزق للجميع بحكمة الله، وأن التمايز الحقيقي والنهائي مؤجل إلى الدار الآخرة.
تقديم المفعول {كُلًّا}: للاهتمام بتعميم الإمداد؛ فلا يشذ عن رزق الله أحد من الفريقين في هذه الدار.
إضافة العطاء إلى اسم الرب المضاف للنبي {عَطَاءِ رَبِّكَ}: تذكير بربوبية الله المحيطة بالكون، وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم بأن كفر الكافرين لا ينقص من خزائن ربه شيئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعطاء الكفار والظلمة أسباب القوة والثراء في الدنيا:
يثير بعض المشككين: كيف يمد الله الظلمة والمفسدين بالأموال والتمكين العلمي والتكنولوجي؟
البرهان والرد السنني الحاسم: العطاء الدنيوي مبني على سنن كونية وقوانين الأسباب والأخذ بها؛ فمن بذل الجهد في عمارة الأرض والصناعة والبحث نال ثمرتها في الدنيا مؤمناً كان أو كافراً؛ لأن الله جعل الدنيا دار عمل وأسباب؛ كما أن عطاء الدنيا حقير عند الله لا يساوي عنده جناح بعوضة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب»؛ فالتمكين المادي للكافر استدراج واختبار، وليس برهاناً على رضا الله عنه.
التكرار في {هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ}: للتفريق بين الصنفين مع استوائهما في نيل العطاء الدنيوي؛ لإبراز التباين التام في المقاصد والنوايا.
التذييل بـ {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}: نفي مطلق لاحتباس الرزق الدنيوي؛ ليدل على فيض الجود الإلهي الذي يغمر الوجود كله.
الإشارة والتدبر: لا تنخدع بما تراه في أيدي العصاة والكافرين من وفرة الأموال وزينة الحياة؛ فإنه عطاء مقطوع الأجل، سريع الزوال، يعقبه الحساب الشديد إن لم يقترن بالإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ الفهم الصحيح لقيمة الدنيا عند الله؛ حتى لا تتزلزل قلوب الضعفاء حين يرون تقدم الكفار المادي، وبيان أن التفاضل الحقيقي في الآخرة.
التوجيه التربوي: الأخذ بالأسباب الدنيوية الجادة لعمارة الأرض؛ فإن الأرزاق لا تنال بالتواكل والتمني، بل بالسعي والاجتهاد.
الأثر الوجداني: يلهج قلب المؤمن بالحمد لله المنعم الذي يرزق من كفر به وعصاه حلماً منه وكرماً، ويسأله من عطائه الأخروي الباقي الذي لا ينفد.