خاتمة المطالب التعنتية بالبيوت الذهبية والرقي في السماء والرد النبوي الحاسم بالتسبيح وبشرية الرسالة:
يختم القرآن استعراض شروط قريش التعجيزية؛ فقالوا: أو يكون لك قصر مشيد من ذهب خالص (زخرف)، أو تصعد وتعرج في درجات السماء بأعيننا، وحتى لو صعدت ورأيناك ترقى في السماء فلن نصدقك ولن نؤمن لرقيك وصعودك حتى تنزل من السماء كتاباً مكتوباً خاصاً بنا نقرأ فيه بأعيننا: من الله إلى فلان بن فلان: أن محمداً رسول الله فاتبعوه! فأمر الله نبيه أن يجيبهم بالرد التوحيدي العظيم: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}؛ تنزيهاً لربي وتعظيماً له عن تحكماتكم وسفهكم؛ فما أنا إلا إنسان من البشر لا أملك المعجزات من تلقاء نفسي، ورسول مبلغ عن الله أتبع ما يوحى إليّ، والآيات والمعجزات بيد الله وحده ينزلها كيف يشاء بحكمته.
تفسير الطبري (14/ 606)مصدر غير محدد١٤/٦٠٦: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ}: قال ابن عباس ومجاهد: «الزخرف هو الذهب بلغة حمير وقريش»، {أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ}: تصعد في معراج إلى السماء ونحن ننظر إليك، {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ}: قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي (ابن عمة النبي): «والله لا أؤمن بك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل ومعك كتاب وصحيفة من الله إلى كل رجل منا ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنك رسول الله!»، فأنزل الله رداً حاسماً: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}: تعجباً وتنزيهاً لله؛ أي لست رباً ولا مالكاً للكون، بل أنا عبد مأمور بشر مثلكم أرسلني الله بالحق.
تفسير ابن كثير (5/ 87)مصدر غير محدد٥/٨٧: يقرر الحافظ ابن كثير أن هذا الجواب النبوي كمال في العبودية والأدب مع الله؛ فالمعجزات ليست ألعوبة يطلبها السفهاء كعروض السيرك، بل هي آيات ربانية ينزلها الحكيم بمقدار؛ ورسول الله لم يدعِ الألوهية ولا القدرة الذاتية على قلب الأعيان، بل هو بشر رسول يوحي الله إليه بالهدى.
القرطبي (10/ 383)مصدر غير محدد١٠/٣٨٣: يذكر القرطبي القراءات في {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي}؛ قرأ ابن كثير وابن عامر {قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي} بلفظ الماضي، وقرأ الباقون {قُلْ} بلفظ الأمر؛ وكلاهما حق؛ والزخرف أصله الزينة المزوقة ثم غلب على الذهب؛ والرقي هو الصعود في المعارج والدرجات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الزُّخْرُف: الذهب، وأصله الزينة وكمال التزويق والنقش؛ ثم سمي الذهب زخرفاً لأنه أعظم الزينة وأشرفها.
تَرْقَىٰ: تصعد في درجات أو معارج، رَقِيَ يَرْقَى رُقِيّاً ورُقِيّاً.
إعراب {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ}:
{أَوْ}: حرف عطف، {يَكُونَ}: مضارع ناقص منصوب معطوف على ما قبله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التعنت والوقاحة النفسية: قوله {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ}؛ كشف صريح عن علتهم؛ فحتى لو صعد إلى السماء ونظروه بأعينهم فلن يؤمنوا؛ بل يريدون كتاباً خاصاً باسم كل شخص؛ مما يدل على أنهم ملاعنة مستكبرون لا يبحثون عن حق بل يعاندون كبراً وحسداً.
براعة الفصل والرد بالتسبيح: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي}: تنزيه لله عن هذا العبث؛ فالرب ليس خادماً لمطالب السفهاء، والكون ليس مسرحاً لإشباع رغبات الجاحدين.
تأصيل حد الرسالة: حصر وظيفته في كلمتين: {بَشَرًا رَّسُولًا}؛ فالبشرية تنفي الألوهية والقدرة الذاتية، والرسالة تثبت الصدق والتأييد بالوحي؛ فكان رداً فلسفياً وتشريعياً قاطعاً يلجم كل متخرص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يجبهم الله بكتاب من السماء ينزل على كل مشرك؟:
لو نزل كتاب لكل واحد من قريش لآمنوا كلهم وانتهت الخصومة!
المحاكمة العقلية والسننية لجوهر الإيمان:
لو نزل كتاب ملموس لكل إنسان لقالوا: هذا سحر مستمر وسحر أعيننا؛ كما صرح القرآن في سورة الأنعام: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}؛ فالمشكلة ليست في غياب الدليل، بل في مرض القلب والكبر؛ فضلاً عن أن الرسالة العامة مبنية على وجود رسول بشري قدوة يبلغ ويوجه ويعلم؛ لا على صحف مادية تتنزل لكل شخص فيلغي مؤسسة النبوة ونظام التكليف والابتلاء.
التسبيح للتعجب والردع {سُبْحَانَ رَبِّي}: أسلوب بليغ يستعمل عند سماع الأمر المنكر الشنيع؛ لإشعار الخصم بأن قوله تجاوز حدود الأدب مع رب العالمين.
أسلوب القصر بـ {هَلْ... إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}: حصر كامل ومطلق لمقامه الشريف؛ نفي لكل دعوى ألوهية، وإثبات لكمال شرف العبودية والرسالة.
الإشارة والتدبر: احذر أن تطلب من الدين ما لم يأتِ به؛ فالإسلام جاء ليغير قلبك ويهذب أخلاقك وينقذك من النار، ولم يأتِ ليحول لك التراب ذهباً أو يحقق لك نزواتك الدنيوية؛ فكن عبداً لله ولا تكن طالباً لحظوظ النفس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: وضوح الهوية الدعوية؛ فالداعية يعلن للناس بصراحة وتواضع: أنا بشر مثلكم مبلغ عن ربي، لا أملك خزائن الله ولا أعلم الغيب، وإنما أدعوكم إلى الله بالبرهان.
التوجيه التربوي: ترسيخ الأدب التام مع الله تعالى ومع رسله الكرام؛ ونبذ المطالبات السخيفة والمفاهيم الخرافية عن الصالحين.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن إجلالاً وتوقيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تجرد من كل ادعاء كاذب وأعلن عبوديته المحضة لله، هاتفاً بلسان الحب: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».