تحقق الوعد الأول وتسليط الأعداء أولي البأس الشديد:
يخبر الحق سبحانه عن تفصيل عقوبة الإفساد الأول لبني إسرائيل في بيت المقدس والأرض المباركة؛ فحين وقع منهم البغي والفساد وتكذيب الرسل، سلط الله عليهم قوماً أشداء ذوي بأس وقوة وبطش عسكري عارم، فاقتحموا ديارهم، وعاثوا في مدنهم، وأذلوهم، وخربوا مسجدهم ومحاريبهم، وكان هذا الوعد الإلهي حتماً مقضياً لا مرد له.
تفسير الطبري (14/ 401)مصدر غير محدد١٤/٤٠١: يروي الطبري عن حذيفة بن اليمان، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي: أن بني إسرائيل لما طغوا وبدلوا حكم التوراة، بعث الله عليهم في المرة الأولى جالوت وجنوده، أو سنحاريب ملك بابل، أو بختنصر (نبوخذ نصر) ملك بابل؛ فغزاهم بجيوش جرارة، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأحرق التوراة، وخرب بيت المقدس، وطاف جنوده يتخللون الدور والأسواق يطلبون من اختبأ من بني إسرائيل فلا يتركون أحداً.
تفسير ابن كثير (5/ 26)مصدر غير محدد٥/٢٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن إطلاق لفظ {عِبَادًا لَّنَا} هنا لا يقتضي مدحاً ولا صلاحاً؛ بل هو كقوله تعالى في سورة الأنعام والنحل؛ لأن الخلق كلهم عباد لله قدراً وكوناً يسلط بعضهم على بعض كما قال: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. وقد كان بختنصر وجنوده كفاراً مجوساً سلطهم الله على بني إسرائيل لما عصوا وظلموا، وسنة الله ماضية في تسليط الجبابرة على من فرط في دينه.
القرطبي (10/ 223)مصدر غير محدد١٠/٢٢٣: ينبه القرطبي إلى أن المعنى: بعثنا بتخليتنا وسنتنا وقدرنا، والجوس هو التردد بين المنازل والدور في طلب الغنائم والأسرى والقتل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الجَوْس: التردد بين الدور والتخلل في السكك والأزقة لطلب من اختفى، يقال: جاس القوم ديارهم إذا تخللوها وطافوا خلالها بالشر والقتل، وهو أشد من الدوس؛ لأن الدوس وطء بالأقدام، والجوس بحث وتقصٍّ واستئصال.
الخِلال: جمع خَلَل، وهو الفرجة والمسافة بين الشيئين؛ فخلال الديار: فجاجها وطرقها وبين بيوتها وأزقتها.
إعراب {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا}:
الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{جَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والجملة في محل جر مضاف إليه لـ {إِذَا}.
{وَعْدُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{أُولَاهُمَا}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر، و(هما) ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
الفاء عاطفة، {جَاسُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{خِلَالَ}: مفعول فيه ظرف مكان منصوب متعلق بـ {جَاسُوا}، أو مفعول به على التوسع، وهو مضاف.
{الدِّيَارِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الواو حالية أو استئنافية، {كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو يعود على الوعد أو البعث.
{وَعْدًا}: خبر {كَانَ} أول (أو مفعول مطلق مؤكد)، {مَّفْعُولًا}: نعت لـ {وَعْدًا} منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الجزاء على الإفساد: لما قررت الآية الرابعة وقوع الإفسادين حتماً، شرعت هذه الآية في تفصيل الجزاء النازل بالإفساد الأول خطوة بخطوة؛ لبيان سنن التاريخ وكيف تتهاوى الأمم الطاغية أمام جحافل الأعداء إذا تجردت من طاعة الله.
دقة التعبير بـ {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ}: لم يقل (دخلوا الديار) بل قال {فَجَاسُوا خِلَالَ} للدلالة على استباحة الحرمات واقتحام الخصوصيات والتفتيش الدقيق حتى في أضيق الأزقة؛ تصويراً للذل التام الذي ألم بهم.
الختام بـ {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا}: تذييل يقطع بأن أقدار الله في عقاب الأمم المفسدة ليست تهديدات معلقة، بل هي نواميس نافذة وقضاء كائن لا محالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إضافة الكفار الجبابرة إلى الله في {عِبَادًا لَّنَا}:
كيف يضيف الله قوماً مجوساً أو كفاراً أو قساة غزاة إلى ذاته العلية بضمير التشريف {لَّنَا}؟
التحرير العقلي واللغوي: الإضافة هنا ليست إضافة تشريف ومحبة كإضافة (عباد الرحمن) أو (عبادي)؛ بل هي إضافة ملك وتذليل وتسخير كوني وقدري؛ فالخلق كلهم خاضعون لمشيئته التكوينية، والله يسخر الكافر لينتقم به من الفاجر، كما يسلط الريح الصرصر أو الحجارة من سجيل، فالكل جنود في قبضته يسيرهم كيف يشاء لإحقاق عدله؛ كما قال الحسن البصري: «إن الله لينتقم بالظالم من الظالم، ثم ينتقم من الظالمين جميعاً».
التنكير في {عِبَادًا} و{بَأْسٍ شَدِيدٍ}: للتهويل والتعظيم؛ أي خلقاً من جنس البشر لا تعرف قلوبهم الشفقة، أصحاب بأس وقوة حربية قاهرة.
اسم المفعول في {مَّفْعُولًا}: للدلالة على القطع واليقين بأن هذا الوعد قد كتب في أم الكتاب فلا يعطله معطل ولا يمنعه مانع.
الإشارة والتدبر: ما سقطت أمة قط من مجدها إلا بسبب فساد داخلها؛ وحين تخون الأمة مبادئها ورسالتها الإلهية يسلط الله عليها أعداءها فيسومونها سوء العذاب، ولن يغني عنها مجد ماضيها ولا بركة ديارها شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ الوعي بالسنن التاريخية والاجتماعية؛ فالنصر والهزيمة لا يأتيان اعتباطاً، بل بأسباب مادية وإيمانية، والفساد الأخلاقي والسياسي هو المقدمة الحتمية للاحتلال والدمار.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على تعظيم أوامر الله والوجل من عقابه؛ فإن الله لا يجامل أحداً، ومن كفر بنعمته ألبسه لباس الذل والمسكنة.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً من سلب العزة والتمكين بالمعاصي، ويلهج بالضراعة إلى الله أن يحفظ أمة الإسلام من سنن الاستبدال والذل.