العمل الصالح والجهد المتواصل المتبع للشريعة: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}.
أصل الإيمان الصحيح الذي هو شرط صحة كل عبادة: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}.
فمن حقق هذه الأركان كافأه الله بأعظم جزاء؛ بأن كان سعيه عنده مقبولاً مرضياً مثاباً عليه بأضعاف مضاعفة.
تفسير الطبري (14/ 434)مصدر غير محدد١٤/٤٣٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والحسن: ومن أراد ثواب الدار الآخرة ونعيمها المقيم، فعمل لها بطاعة الله وما أمره به في وحيه، وهو مؤمن مصدق بوعد الله ووعيده وبتوحيده ورسله؛ فإن الله يشكر لهم ذلك السعي القليل، فيتقبله منهم ويجزيهم به الجزاء الجزيل ويدخلهم الجنات.
تفسير ابن كثير (5/ 40)مصدر غير محدد٥/٤٠: يقرر ابن كثير أن الآية قاعدة عظمى في قبول الأعمال؛ فلا بد من إرادة الآخرة (الإخلاص)، والسعي اللائق بها وهو اتباع السنة والشرع (المتابعة)، والإيمان بالله؛ فإن فقد أحد هذه الشروط حبط العمل ولم ينفع صاحبه.
السعدي (ص 454)مصدر غير محدد٤٥٤: ينبه العلامة السعدي إلى قوله {سَعْيَهَا}؛ حيث أضاف السعي إليها ليدل على أنه ليس كل سعي ينفع، بل السعي اللائق بعظمة الآخرة وهو العمل المشروع الخالص.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
السعي: المشي السريع والجد في العمل وبذل الجهد في تحصيله، وأصله من السَّعْي وهو دون العدو وفوق المشي الهادئ.
المشكور: اسم مفعول من الشكر، وشكر الله لعبده: قبول طاعته القليلة، ومجازاته عليها بالثواب العظيم، وإظهار الثناء عليه بين الملائكة.
{مُؤْمِنٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل سعي (وهو قيد شرطي جوهري).
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً لاقتران الجواب باسم الإشارة، {أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{سَعْيُهُم}: اسم {كَانَ} مرفوع بالضمة، وهم ضمير متصل مضاف إليه.
{مَّشْكُورًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ أولئك، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ {مَن}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إضافة السعي إلى ضمير الآخرة {سَعْيَهَا}: إشارة بلاغية بديعة إلى أن الآخرة لها سعي مخصوص يليق بها شرعه الله ورسم حدوده، فلا يقبل فيها الابتداع ولا العمل على غير بصيرة.
التعبير باسم الإشارة للبعيد {فَأُولَٰئِكَ}: لرفعة درجاتهم وعلو شأنهم عند ربهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قبول أعمال الكفار الإنسانية والخيرية في الآخرة:
يزعم بعض المستشرقين وأصحاب النظريات الوضعية أن الكافر إذا أسدى خدمات عظيمة للبشرية (كالأدوية والاختراعات) ينبغي أن يثاب عليها بالجنة في الآخرة!
البرهان القرآني والعدل الإلهي: الآية صريحة قطعية في اشتراط الإيمان: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}؛ فالإيمان هو الأساس الذي يبنى عليه قبول الأعمال؛ كمن يبني ناطحة سحاب على فراغ أو أرض رخوة فإنها تنهار؛ فالكافر لم يعمل العمل ابتغاء وجه الله ولا رغبة في ثواب الآخرة بل للشهرة أو المجد الدنيوي، وقد جازاه الله بنيته ونال جزاءه في الدنيا بالثناء والمال والجوائز (كما بين في الآية 18: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا})؛ فإذا قدم على الله في الآخرة لم يكن له رصيد إيماني يقبل به عمله: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}.
إسناد الشكر إلى الله في {مَّشْكُورًا}: من أعظم مظاهر الكرم الإلهي أن يشكر الخالق الغني عبده الفقير على طاعته؛ مع أن التوفيق للعمل كان منة من الله، وقبول العمل فضل منه، والثواب عطاء محض.
الجملة الاسمية الحالية {وَهُوَ مُؤْمِنٌ}: لبيان أن الإيمان صفة لازمة ثابتة راسخة لا تنفك عن الساعي في طريق النجاة.
الإشارة والتدبر: الأمنيات الخاملة لا تنجي صاحبها؛ فالجنة غالية ولها ثمن: {وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا}؛ فمن أرادها بصدق شمر عن ساعد الجد وبذل طاقته في طاعة ربه ومتابعة نبيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجمع بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، والتأكيد على أن صلاح الأعمال فرع عن صحة الإيمان والاعتقاد.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على الجدية والاجتهاد؛ فالكسل والتسويف لا يبنيان مستقبلاً أخروياً، والسعي للآخرة يتطلب نظاماً وانضباطاً ومجاهدة مستمرة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن سعادة ورجاءً حين يعلم أن سعيه وتعبه وقيامه وجهاده لن يضيع عند ربه الكريم الشكور، بل هو محفوظ مشكور بأبهى ثواب.