الشبهة الأزلية لجميع الأمم المكذبة: استنكار بشرية الرسل وطلب رسل من جنس الملائكة:
يكشف الحق سبحانه وتعالى عن الجرثومة الفكرية العتيقة والشبهة التاريخية المزمنة التي توارثتها الأمم الكافرة عبر القرون؛ فما منع المشركين والناس من الإيمان بالرسل وبالكتب المنزلة حين جاءهم الهدى الواضح والدليل الساطع، إلا هذه الشبهة الساقطة في عقولهم؛ حيث قالوا استكباراً وجهلاً: أبعث الله إنساناً من البشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ليكون رسولاً إلينا؟! هلا بعث إلينا ملكاً من السماء نراه ونخاطبه؟! فكان هذا الاستبعاد سبباً في حرمانهم من الإيمان وهلاكهم.
تفسير الطبري (14/ 608)مصدر غير محدد١٤/٦٠٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ}: أي ما منع كفار قريش وغيرهم من الأمم السالفة من التصديق بالله ورسله حين جاءهم البيان والقرآن، {إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا}: استفهام إنكاري منهم؛ استعظموا أن يكون الرسول من بني آدم؛ وقالوا: لو أراد الله أن يرسل رسولاً لأرسل ملكاً كما قال قوم نوح وقوم هود: {مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ تَأْكُلُونَ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَتَشْرَبُونَ مِمَّا تَشْرَبُونَ}.
تفسير ابن كثير (5/ 87)مصدر غير محدد٥/٨٧: يقرر الحافظ ابن كثير أن هذا كان دأب الأمم المكذبة في كل زمان؛ استبعدوا أن يكرم الله أحداً من جنس البشر بالنبوة؛ جهلاً منهم بقدرة الله وفضله وحكمته البالغة في جعل الرسول من جنس المرسل إليهم؛ لأن الملك لو نزل لما استطاعوا رؤيته على صورته ولا الأنس به ولا الاقتداء بفعاله.
القرطبي (10/ 385)مصدر غير محدد١٠/٣٨٥: يذكر القرطبي أن الآية نعت وتوبيخ لقصور عقول الكفار؛ فالإنسانية أشرف المخلوقات إذا استقامت، وجعل الرسول بشراً هو عين الرحمة والحكمة كما سيبينه في الآية التالية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البَشَر: اسم جنس يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ وسُمي الإنسان بشراً لبدوّ بشرته (ظاهر جلده) للعيان وخلوها من الصوف والوبر والريش الذي يستر سائر الحيوانات.
{أَن يُؤْمِنُوا}: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {مَنَعَ} (أو منصوب بنزع الخافض أي من أن يؤمنوا)، و{يُؤْمِنُوا} مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل.
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ {يُؤْمِنُوا} أو بـ {مَنَعَ}.
{جَاءَهُمُ}: فعل ماض والهاء مفعول به والميم للجمع، وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
{الْهُدَىٰ}: فاعل جاءهم مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة مضاف إليه لـ {إِذْ}.
{أَن قَالُوا}: المصدر المؤول {أَنْ} والفعل في محل رفع فاعل لـ {مَنَعَ}، والتقدير: ما منع الناس من الإيمان إلا قولُهم هذا الاستنكاري.
الهمزة للاستفهام الإنكاري التكذيبي.
{بَعَثَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بَشَرًا}: مفعول به أول (أو حال مقدمة من رسولاً).
{رَّسُولًا}: مفعول به ثانٍ (أو مفعول به وبشراً حال)، وجملة الاستفهام في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحليل الجذور المعرفية لرفض النبوات: بعد أن قال النبي في الآية السابقة: {هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}، كشفت هذه الآية أن عقدة "البشرية" هي الصخرة التي تحطمت عليها دعوات الرسل عبر التاريخ؛ لبيان أن مشركي مكة لم يبتدعوا شبهة جديدة، بل رددوا رجع صدى الأمم الهالكة السابقة.
أسلوب الحصر الدقيق بـ {مَا... إِلَّا}: لقصر علة المنع على هذه الشبهة الواهية؛ فالحق واضح كالشمس، ولكن غشاوة الاستكبار عن اتباع إنسان مثلهم حالت بينهم وبين الإيمان.
التمهيد للبرهان المقنع في الآية التالية: مهد هذا الاستشكال لبيان الحكمة الكونية في جنس الرسول في قوله: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يرسل الله ملكاً بدلاً من البشر لقطع الشكوك؟:
تكررت هذه الشبهة في كل العصور: لو كان الرسول ملكاً لكان أعظم هيبة وأبعد عن طمع البشر وأصدق برهاناً!
المحاكمة العقلية والنفسية والتشريعية:
الملك مخلوق نوراني عظيم لا يتطابق في طبيعته مع الإنسان الضعيف؛ فلو أرسل الله ملكاً لكان هناك محذوران ممتنعان:
محذور الصورة النورانية: الإنسان لا يطيق رؤية الملك على صورته الحقيقية (جبريل سد الأفق بستمائة جناح لما رآه النبي فصُعق)، فلو ظهر الملك على صورته لهلك البشر رعباً وفزعاً.
محذور التجسد البشري وسقوط الاقتداء: لو نزل الملك بصورة رجل بشري ليخاطبهم لقالوا: هذا رجل مثلنا ولبسنا عليهم ما يلبسون؛ فضلاً عن أن الملك لا يجوع، ولا يعطش، ولا يتزوج، ولا يمرض، ولا يغضب، ولا يصارع الشهوات؛ فلو أمر الناس بالصبر والعفة لقالوا: "أنت ملك لا تشتهي ولا تجوع فكيف نقتدي بك؟!"؛ فاقتضت الحكمة التامة أن يكون الرسول من جنسهم يجوع ويصبر ويحب ويعف ليكون قدوة حية عملية في تطبيق الشريعة.
التعبير بـ {إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ}: إشعار بأن الهدى جاءهم يسعى إلى بيوتهم وأرضهم بلا كلفة ولا عناء، ولكنهم قابلوه بالصدود والتعنت.
تقديم المفعول {بَشَرًا} على {رَّسُولًا} في سؤالهم: لإبراز نقطة اعتراضهم واشمئزازهم؛ كأنهم يقولون: إنساناً من لحم ودم تبعثه يا رب رسولاً؟! فقدموا ما يستنكرونه لإبراز تعنتهم.
الإشارة والتدبر: الكبر والحسد يمنعان العبد من قبول الحق من أقرانه أو ممن هو دونه في المال والجاه؛ فاحذر أن ترد الحق لأن حامله إنسان بسيط أو أصغر منك سناً؛ فالحق ضالة المؤمن يقبله أينما وجده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تأكيد مبدأ المعايشة والمشاركة الإنسانية في الدعوة؛ فالداعية الناجح هو الذي يعيش آلام الناس وهمومهم ويكون قريباً منهم في حياتهم اليومية.
التوجيه التربوي: تجريد النفوس من داء احتقار البشر والطبقية المقيتة؛ فالله يودع سره وفضله فيمن يشاء من عباده.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن شكراً لله على رحمته بأن أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا عزيزاً عليه ما عنتنا حريصاً علينا بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً.