روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص177) بإسناده عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ}: أي أنزلنا هذا القرآن العظيم مشتملاً على الحق والعدل والصدق، {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}: أي نزل من عند الله سالماً محفوظاً لم تبدله الشياطين ولم تخلط به باطلاً، مع الروح الأمين جبريل عليه السلام إلى قلب محمد صلى الله عليه وسلم، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}: وما بعثناك يا محمد إلا لتبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار، وليس عليك إكراههم ولا إلجاؤهم، وإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص129): "يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وهو القرآن العظيم: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ}: أي مشتمل على الحق؛ فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل، {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}: أي ووصل إليك يا محمد محفوظاً بحراسة الملائكة لم يشب به شيء ولا زيد فيه ولا نقص منه؛ كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ}. وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}: أي مبشراً للمؤمنين برضوان الله وثوابه، ونذيراً للكافرين بسخط الله وعذابه".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص341): "الباء في {وَبِالْحَقِّ} للحال أو للسببية؛ أي: بالعدل والحكمة أنزلناه، وبالصدق والبيان نزل؛ لتقوم به الحجة على العباد، وتطمئن به قلوب المتبعين".
وأشار الشيخ السعدي في تفسيره (ص468): "هذا تعظيم عظيم للقرآن؛ أنزله الله بالحق لبيان الصدق في العقائد والأحكام، ونزل محروساً بحفظ الله تعالى، ووظيفة الرسول هي التبليغ والبيان والبشارة والنذارة، وليس عليه هداهم التوفيقية".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص341)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٤١*جامع البيان* (ج15، ص177)جامع البيانالطبري١٥/١٧٧*تفسيره* (ج5، ص129)مصدر غير محدد٥/١٢٩*تفسيره* (ص468)مصدر غير محدد٤٦٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية:
{وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ}: الواو استئنافية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال (أو بالفعل أنزلناه) وقُدم لإفادة القصر والحصر والاهتمام، وأنزلناه فعل ماض مبني على السكون ونا الفاعلين والهاء مفعول به.
{وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}: الواو عاطفة، وبالحق جار ومجرور متعلق بنزل وقُدم كذلك للحصر والتأكيد، ونزل فعل ماض والفاعل مستتر يعود على القرآن.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ}: الواو عاطفة أو حالية، وما نافية، وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به.
{إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}: إلا أداة حصر واستثناء مفرغ، ومبشراً حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من الكاف في أرسلناك، ونذيراً معطوف عليه منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في التتويج القرآني لخاتمة السورة:
الاتصال بما قبله: بعد أن ذكر الله آيات موسى التسع وحكى استكبار فرعون وإهلاكه، عاد السياق ليؤكد أن معجزة هذا الدين الخالدة ليست خوارق حسية طارئة كآيات موسى، بل هي هذا الكتاب المبين المن نزل بالحق التام والمحفوظ بحفظ الله؛ فهو الحجة البالغة المستمرة إلى قيام الساعة.
التناسب مع مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم: لما كان القرآن حقاً مطلقاً لا شائبة فيه، حصر الله مهمة النبي في التبشير والإنذار؛ تسرية عنه وتخفيفاً لما يلقاه من آلام جراء تكذيب قومه، ليعلم أن عليه البلاغ فقط وليس مسؤولاً عن إيمان من أصر على الكفر.
التمهيد لبيان نزول القرآن مفرقاً ومنجماً في الآية اللاحقة {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك سر التكرار في {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} ودفع توهم التكرار العبثي:
المحاكمة البلاغية والتحليل العقلي:
قد يتوهم قاصر النظر أن الجملتين تؤديان نفس المعنى؛ لكن التحقيق يثبت التغاير الدقيق العظيم بينهما:
{وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} (من جهة المُنزِل سبحانه والمحتوى):
أي أن مشيئة الله وحكمته اقتضت إنزاله بالحق؛ فمضمونه ومحتواه حق محض: عقائده توحيد خالص، وأخباره صدق لا ريب فيه، وشرائعه عدل وحكمة ورحمة تلائم الفطرة الإنسانية في كل زمان ومكان.
{وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} (من جهة طريق النزول والواسطة والواقعة التاريخية):
أي نزل في حراسة تامة من الشياطين والزيادة والنقصان، نزل به الروح الأمين ونزل على القلب الأمين؛ فلم يتعرض لأي تحريف أو تبديل أو تزييف في طريق هبوطه من اللوح المحفوظ حتى استقر في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استقر في الصدور والمصاحف.
الجناس الاشتقاقي والتطريز البياني: بين {أَنزَلْنَاهُ} (المتعدي) و{نَزَلَ} (اللازم)، مع إعادة الجار والمجرور {وَبِالْحَقِّ} بنفس اللفظ؛ لإحداث نغم صوتي مهيب يقر في الأذن ويملأ القلب باليقين.
أسلوب الحصر والقصر: في {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} لتحديد إطار الرسالة وتجريدها من كل دعاوى القهر والإلجاء، وحفظ كرامة الاختيار البشري.
الإشارة والتدبر: القرآن حق في مصدره، حق في نقله، حق في ألفاظه، حق في معانيه، حق في وعده ووعيده؛ فمن تمسك به كان على الحق المبين، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الاكتفاء بمنهج البشارة والنذارة في تبليغ الدعوة دون تشنج أو محاولة لإجبار الناس على الهداية؛ فالداعية عليه البيان والرحمة بالمخاطبين، والهداية بيد الله وحده.
التوجيه التربوي: غرس الثقة والاعتزاز المطلق بالقرآن في نفوس الطلاب؛ فالقرآن ليس مجرد نص تاريخي، بل هو الحق الإلهي الثابت المعصوم الذي يحكم كل شؤون الحياة.
الأثر الوجداني: يمتلئ وجدان المؤمن هيبة وإجلالاً للقرآن الكريم، مستشعراً عظمة هذا النور الذي نزل من عرش الرحمن بالحق، فيزداد تلاوة له وتدبراً وعملاً بأحكامه.