ينهى الله جل جلاله عن جريمة الزنا الشنعاء نهياً حاسماً لا يقتصر على تحريم الفعل ذاته، بل يسد كل ذريعة تقرب إليه من النظر المحرم، والخلوة، والتبرج، والخضوع بالقول؛ مبيناً علة التحريم القطعية؛ وهي أن الزنا ذنب بالغ الفحش والقبح في ميزان العقل والشرع والفطرة، وطريق بئيس مهلك يورث الأمراض، واختلاط الأنساب، وهلاك المجتمعات.
تفسير الطبري (14/ 461)مصدر غير محدد١٤/٤٦١: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: معنى {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ}: لا تدنوا من الزنا ولا تلابسوا أسبابه ومقدماته من الخلوة واللمس والنظر الحرام؛ فإنه ذنب فاحش قبيح متناهٍ في القبح، وساء طريقاً ومسلكاً لمن سلكه؛ لأنه يسوق صاحبه إلى النار ويجلب مقت الله وعقابه.
تفسير ابن كثير (5/ 49)مصدر غير محدد٥/٤٩: يقرر الحافظ ابن كثير أن الله تعالى نهى عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه؛ لأن الزنا يجمع خصال الشر كلها؛ من انتهاك الحرمات، وإضاعة الأنساب، وفساد الأسر، وإفساد الأخلاق، وإشاعة الأمراض الفتاكة، وسخط الجبار.
القرطبي (10/ 274)مصدر غير محدد١٠/٢٧٤: يذكر القرطبي أن قوله {وَلَا تَقْرَبُوا} أبلغ في النهي والتحريم من (ولا تزنوا)؛ لأنه يتناول كل ما يدعو إليه ويفضي إلى الوقوع فيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الفاحشة: ما عظم قبحه وتجاوز الحد في الشناعة من الأقوال والأفعال؛ والزنا من أعظم الفواحش.
ساء سبيلاً: ساء فعل ذم جامد لإنشاء الذم، وسبيلاً: طريقاً ومسلكاً؛ أي بئس السبيل سبيله؛ لما يترتب عليه من الدمار والندم.
إعراب {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ}:
الواو عاطفة، {لا}: ناهية جازمة.
{تَقْرَبُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{الزِّنَىٰ}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
إعراب {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}:
{إِنَّهُ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل اسمها يعود على الزنا.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{فَاحِشَةً}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان واسمها وخبرها خبر {إِنَّ}، والجملة تعليلية لا محل لها.
{وَسَاءَ}: الواو عاطفة، {سَاءَ}: فعل ماض جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر يفسره التمييز تقديره هو.
سيثلث في الآية التالية بحفظ النفس العامة المعصومة {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ}.
فجاءت الآيات نسقاً تشريعياً متكاملاً لحماية الكليات الإنسانية الخمس.
البلاغة في التعبير بـ {وَلَا تَقْرَبُوا}: لم يقل (لا تزنوا) بل قال {وَلَا تَقْرَبُوا}؛ لأن الشهوة الجنسية قوة جارفة إذا قارب الإنسان حماها وخاض في مقدماتها ضعف تحكمه العقلي ووقع في المحذور؛ فحرم الشارع المحيط الحِمَى وسد الذرائع صيانة للعفة.
الجمع بين الذات والمسار: وصفه في ذاته بأنه {فَاحِشَةً}، ووصفه في عواقبه ومآلاته بأنه {وَسَاءَ سَبِيلًا}؛ لبيان قبح الفعل وقبح عواقبه الدنيوية والأخروية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إباحة العلاقات الرضائية خارج إطار الزواج في القوانين الغربية:
تدعي النظم الإباحية المعاصرة أن العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين حرية شخصية لا يجوز تجريمها!
المحاكمة العقلية والاجتماعية الراسخة: الزنا جريمة في حق المجتمع والأسرة والإنسانية كلها؛ فهو يهدم مؤسسة الأسرة النواة الصلبة للأمم، وينتج أطفالاً مجهولي النسب محرومين من العطف والتربية السوية، ويشيع الأمراض الوبائية المستعصية، ويثير بواعث الثأر والجرائم والانتحار؛ فحكم الشريعة بتحريمه المطلق هو الضمانة الوحيدة لبقاء الطهارة الإنسانية واستقرار المجتمعات، وأما الإباحية فسبيل انحدار حيواني وبوار حضاري.
صيغة الماضي في {كَانَ فَاحِشَةً}: تدل على أن قبح الزنا أمر مستقر معلوم في كل الشرائع السماوية السابقة وفي الفطر السليمة والعقول الراجحة عبر التاريخ؛ فليس قبحه حكماً طارئاً بل هو صفة لازمة له منذ خلق الله الإنسان.
التنكير في {فَاحِشَةً} و{سَبِيلًا}: للتهويل والتعظيم؛ أي فاحشة متناهية في القبح، ومسلكاً غاية في السوء والشر.
الإشارة والتدبر: من حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؛ وغض البصر، وحجاب المرأة، وتجنب الخلوة ليست قيوداً على الحرية، بل هي أسوار أمان تحمي القلب من السقوط في مستنقع الفاحشة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الدعوة إلى تيسير سبل الزواج الحلال ومحاربة غلاء المهور؛ لأن سد أبواب الحلال يفتح أبواب الفواحش.
التوجيه التربوي: غرس الحياء والعفة في نفوس الشباب والفتيات، والتحذير من رفقاء السوء ومواقع الفساد المرئي التي تدعو إلى مقاربة الفاحشة.
الأثر الوجداني: يمتلئ وجدان المؤمن بغيرة إيمانية وطهارة قلبية، مقبلاً على حفظ جوارحه مستعيناً بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.