روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص171) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}: قال موسى لفرعون: والله لقد أيقنت في قرارة نفسك وعلمت علماً لا يخالجه شك أن هذه الآيات التسع لم ينزلها ساحر ولا بشر، وإنما أنزلها رب السماوات والأرض أدلة وبراهين تبصر بها القلوب، ولكنك تجحد مستكبراً، {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}: قال ابن عباس: ملعوناً، وقال مجاهد: هالكاً، وقال قتادة: مغلوباً محروماً من كل خير.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص126): "قرأ جمهور القراء: {لَقَدْ عَلِمْتَ} بفتح التاء، خطاباً لفرعون، ودليله قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}؛ أي أنت يا فرعون تعلم أنها حق ولكنك تعاند. وقرأ الكسائي: {لَقَدْ عَلِمْتُ} بضم التاء؛ أي: إني قد علمت يا فرعون أن ما جئت به هو الحق من عند الله. وكلا المعنيين عظيم؛ لكن قراءة الجمهور أدل على إفحام فرعون وكشف نفاقه الداخلي. ومعنى {مَثْبُورًا}: أي هالكاً مقطوعاً مصيره إلى الثبور والدمار".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص338): "الثبور في كلام العرب: الهلاك والخسران، يقال: ثبره الله يثبره ثبوراً إذا أهلكه وقطع دابره، والمثبور: المصروف عن الخير المطرود المحروم؛ فقابل موسى ظن فرعون الكاذب بظن يقيني صادق بأن فرعون إلى بوار وهلاك".
وبين الفخر الرازي في مفاتيحه (ج21، ص78): أن موسى عليه السلام قهر فرعون في ملئه ببيان أن علمه الداخلي بالحق حجة عليه تسلب منه كل عذر وتجعله مستحقاً لأقصى درجات العقاب.
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص338)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣٨*جامع البيان* (ج15، ص171)جامع البيانالطبري١٥/١٧١*مفاتيحه* (ج21، ص78)مصدر غير محدد٢١/٧٨*تفسيره* (ج5، ص126)مصدر غير محدد٥/١٢٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والإعرابية:
{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ}: قال فعل ماض فاعله مستتر (موسى)، اللام جواب قسم مقدر، وقد للتحقيق، وعلمت فعل وفاعل (بفتح التاء خطاباً، أو بضمها متكلماً).
{مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ}: ما نافية، وأنزل فعل ماض، وهؤلاء اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به، وإلا أداة حصر واستثناء مفرغ، و{رَبُّ} فاعل أنزل المرفوع بالضمة، والسماوات مضاف إليه.
{بَصَائِرَ}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من اسم الإشارة {هَٰؤُلَاءِ}؛ والبصائر جمع بصيرة، وهي الدلالة الهادية التي تكشف الحق وتجلوه للقلب كما يكشف البصر الأشياء للعين.
{وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}: الواو عاطفة، إن واسمها، واللام المزحلقة، وأظنك فعل مضارع والفاعل مستتر والكاف مفعول أول، و{يَا فِرْعَوْنُ} نداء اعتراضي، و{مَثْبُورًا} مفعول ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، من ثَبَرَ يَثْبُرُ فهو مَثْبُور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البناء الدرامي والمقابلة البيانية:
مقابلة إعجازية مذهلة بين مقولتي الخصمين:
قال فرعون استكباراً وافتراءً: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا}.
فأجابه موسى بثبات ويقين قاطع: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}.
التعبير بـ "الظن" هنا من موسى ليس على وجه الشك والتردد، بل على وجه اليقين المتحقق الذي يظهر أثره للعيان عما قريب؛ لأن سنة الله في إهلاك المستكبرين الباغين سنة قطعية لا تتخلف.
إسقاط هيبة الطاغية بندائه باسمه المباشر {يَا فِرْعَوْنُ} دون ألقاب ولا تعظيم؛ لإشعاره بضآلته أمام عظمة رب السماوات والأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك سيكولوجية "كفر الجحود والاستكبار":
السؤال العقلي: كيف يجمع بين قوله {لَقَدْ عَلِمْتَ} وبين كفر فرعون وادعائه الألوهية؟:
المحاكمة العقلية والتحليل النفسي:
الكفر ليس نوعاً واحداً، بل منه "كفر جهل" ومنه "كفر عناد وجحود"؛ وفرعون لم يكن جاهلاً بحقيقة الآيات، بل استيقن قلبه أنها من رب السماوات والأرض، ولكنه كفر استعلاءً وحفاظاً على ملكه الزائل وسلطانه الدنيوي.
الإنسان قد يعلم الحق علماً جازماً، ومع ذلك تحمله شهوة العلو والجاه على إنكاره بلسانه ومحاربته بيده؛ وهذا أدق تشخيص لداء الاستكبار البشري عبر العصور.
المشاكلة اللفظية والمقابلة المعنوية: رد موسى بنفس التركيب والأسلوب الذي استعمله فرعون لبيان أن رماح الباطل ترتد إلى نحور أصحابها.
التنكير في {بَصَائِرَ}: لإفادة التعظيم البالغ؛ فهي ليست مجرد أدلة بل براهين ساطعة تقتلع الشكوك وتهدي الحيارى.
اختيار لفظ {مَثْبُورًا}: كلمة ذات وقع صوتي ودلالي عنيف يصور الهلاك التام، والانقطاع الكامل عن الرحمة، وتلاشي كل سلطان كان يتبجح به.
الإشارة والتدبر: كلمة الحق أمام السلطان الجائر هي أعظم درجات الجهاد؛ وموسى عليه السلام لم تلن قناته ولم يرهبه ملك مصر وجنوده، بل واجه الطاغية في عقر داره ببيان هلاكه القريب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يتحلى بالعزة والاستعلاء الإيماني أمام طواغيت الأرض، وألا يتنازل عن إعلان الحق يقيناً دون خنوع أو تراجع.
التوجيه التربوي: غرس اليقين في النفوس بأن الطغيان محكوم عليه بالبوار الحتمي، وأن مآل الظالمين هو الخسران المبين مهما طال أمد استبدادهم.
الأثر الوجداني: يشعر المؤمن بالفخر والعزة والسكينة حين يرى كيف تتهاوى عروش الجبابرة أمام نور كلمة التوحيد، ويثبت قلبه على مواجهة الباطل وأهله.